لم يعد "سوق التنابل" في دمشق، الذي لطالما شكّل فرصة عمل منزلي للنساء السوريات، ملجأ وحيداً لهنّ في ظل الحرب المستمرّة في البلاد. فبعدما فقَدَ عدد كبير من السوريّين منازلهم وأعمالهم وعائلاتهم، من دون أن يلوح أي حل في الأفق، لجأت النساء، وخصوصاً المهجّرات والنازحات منهنّ، إلى أساليب جديدة لمواجهة ظروف الحياة الصعبة في الداخل. فاتجهن إلى مزاولة مهن مختلفة تشكّل مصدر رزق لهنّ ولأسرهنّ، من دون أن يحتجن إلى طلب العون من أحد.
وتلك المهن ليست حديثة على سوق العمل، إنما تظهر اليوم بطابع جديد ومع انتشار أوسع. وعلى الرغم من أنّها مهن لا تحظى بحماية النقابات ولا بتأمين صحي أو راتب تقاعدي، إلا أنها تبقى كافية لمواجهة قسوة الظروف وسدّ رمق العيش.
حلويات منزليّة
أم حميد، نازحة من مدينة الباب، شمال شرق حلب. هي تصنع الحلويات المنزليّة لتبيعها في منطقة السليمانيّة. تتحدّث المرأة الأربعينيّة عن الظروف القاسية التي دفعتها إلى العمل، فتقول: "استشهد زوجي واضطررنا إلى ترك منزلنا نتيجة القصف الشديد الذي شهدته البلدة واتجهنا إلى مدينة حلب. فبدأت مع أفراد أسرتي بصنع الحلويات المختلفة لأننا فقدنا المعيل. وها أنا أبيعها هنا، حتى لا نطلب مساعدة من أي كان".
وتصنع أم حميد البسكويت المحلى والمعمول والغريبة وأنواعاً مختلفة من الحلويات المنزليّة الأخرى. وحول تكاليف العمل وصعوباته، تشير إلى أن "غلاء أسعار المواد الأوليّة، يشكّل إحدى الصعوبات في عملنا. لكننا نبحث عن المناسب ذي المواصفات الجيّدة. من المهمّ بالنسبة إلي أن أحظى برضا المشترين ليزداد البيع، وبالتالي يزداد المردود الذي يكفيني وأسرتي لتأمين متطلباتنا الأساسيّة. وإن كان لا يكفي لعيش كريم، إلا أنه جيّد مقارنة بالوضع الحالي".
سوق التنابل
في وسط العاصمة دمشق، وتحديداً في حيّ الشعلان، يقع "سوق التنابل" كما يسمّيه الدمشقيّون. فيه، تجد الخضار المعدّة والجاهزة للطهي الفوري، من دون عناء التحضير، كالكوسا المحفورة والبقدونس المفروم والثوم المقشّر وغيرها. أما تسميته، فأتت من إن مرتادي هذه السوق بمعظمهم من أصحاب الدخل المرتفع. وقد شكّل هؤلاء فرصة لمن فقدن حياتهنّ الطبيعيّة في المناطق الملتهبة من ريف دمشق أو المحافظات السوريّة الأخرى، ومجالاً جيداً للنازحات لتحصيل الدخل من دون الحاجة إلى الاتكال على أحد. وقد لجأت الكثيرات إلى العمل في هذا المجال، ومنهنّ نور التي تجده عملاً مناسباً، لأنها تمارسه في المنزل من دون أن تضطر إلى ترك والدتها المريضة بمفردها.
وتقول نور : "عشنا أوضاعاً صعبة منذ أن تركنا بلدتنا في ريف حمص. وبعد فترة من الجلوس من دون عمل، قرّرت تحضير المؤونة المنزليّة. فتعاقدت مع صاحب محل للخضار".
في "موسم المونة"، كما يسمّيه السوريّون، تلقى هذه المهنة رواجاً واسعاً، وخصوصاً لدى النساء الموظفات اللواتي لا يملكن الوقت الكافي لتحضير كل ذلك. وإن كان ارتفاع الأسعار بشكل عام يقف عائقاً دون شراء الخضر الجاهزة، إلا أن الأجور البسيطة التي تتقاضاها العاملات تسهم في رواج هذه الخضر.
إلى ذلك، تلجأ عاملات أخريات في هذا المجال إلى أسلوب البيع المباشر. فتتوجّه أم علاء مثلاً إلى سوق باب سريجة في دمشق يومياً، حيث تتوافر الخضر بأسعار رخيصة ونوعيّة جيدة. فتجلب كميات كبيرة منها، وتعدّها مع شقيقاتها في المنزل. في ما بعد يبيعها ولدها علاء مباشرة للراغبين فيها. وبذلك، هي ليست بحاجة إلى العمل لدى بائع لا يعطيها سوى نسبة قليلة من الأرباح.
من جهة أخرى، شكّلت هذه المهنة مصدر رزق جديدا لأصحاب المحلات التجاريّة. ويخبر محمد، أحد باعة الخضر في منطقة المزة في دمشق، أنّه بدأ منذ فترة قصيرة ببيع الخضروات المحضّرة، التي فتحت باباً جديداً للربح. يضيف أنّه يتعامل اليوم "مع ثلاث عوائل نازحة إلى دمشق، تقوم بتحضير هذه الخضر لقاء أجور معقولة وبجودة عالية، مع مراعاة النظافة. وأقوم ببيعها هنا للأسر الميسورة الحال".
تستمرّ أزمة النازحات في الداخل السوري بالبحث عن مهن تعيلهنّ وأسرهنّ، وخصوصاً أن هؤلاء النساء بمعظمهنّ فقدن أزواجهنّ أو أنهنّ ما زلن ينتظرن خروجهم من المعتقلات. أما في ما يخصّ أبناءهنّ، فهم إما لاقوا مصير آبائهم أو هربوا من البلاد خوفاً من الخدمة العسكريّة الإلزاميّة.