أواصل الحديث عن تشويه مناهجنا الدراسية لصورة المرأة في الإسلام بتصويرها بالصورة التي توافق رؤية وتوجه معدي المنهج، ونسبتها إلى الإسلام، فعند الحديث عن حقوق الزوج يتصدرها:
أولًا: «الطاعة» في غير معصية، مع الاستدلال بحديث» وأيما امرأة ماتت وزوجها راضٍ عنها دخلت الجنة» وهذا حديث منكر، لا يصح لأنّ فيه مساورًا وأمه مجهولان[الألباني: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، 3/616،617، حديث رقم (1426).]
للأسف نجد حتى في مناهجنا الدراسية تُعتمد الأحاديث الضعيفة والموضوعة والمنكرة لتعزيز الفكرة التي يريد غرسها معدو المناهج الدينية في أذهان أولادنا وبناتنا!
ثانيًا:» القرار في البيت»، فنجد في المنهج هذا النص:» ومن حق الزوج على زوجته أن تقيم معه في السكن الذي أعده لها، وهيأ فيه أسباب الراحة والاستقرار بما يتلاءم مع قدرته ومكانته، حتى تتفرغ للقيام بالمطالب الزوجية، والعناية بالأولاد، وتهيئة وسائل الراحة للأسرة، وتصون نفسها عما يدنس شرفها وشرف زوجها، وتحفظه في ماله وعرضه”[ص 67] .
إذا اعتبرنا خروج المرأة من بيتها يدنس شرفها وشرف زوجها، وأنّ عليها أن تلتزم بيتها لتلبية مطالب زوجها وتربية أولادها، دون إدراك من معدي هذه المناهج أنّ قولهم هذا يعد قذفًا بالنساء العاملات، والمشاركات في الحياة العامة في مختلف العصور بمن فيهن الصحابيات الجليلات رضوان الله عليهنّ!
وهنا أسأل: هل وظيفة المرأة في المجتمع الإسلامي تقتصر على التزامها البيت لتتفرغ للقيام بالمطالب الزوجية وتهيئة وسائل الراحة للأسرة؟
وهل خروج المرأة للعمل والمشاركة في الحياة العامة يدنس شرفها وشرف زوجها؟
وما القول في عمل الصحابيات الجليلات رضوان الله عليهن في الزراعة والرعي والتجارة والتطبيب والتمريض، وخروجهن للقتال، والعناية بالجرحى؟
هل راويات الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم روين الأحاديث عنه، وهن في بيوتهن لم يخرجن منها لسماعها منه عليه الصلاة والسلام ،وروايتها عنه؟
هل مراقبة الشفاء بنت عبد الله من بني عدي رضي الله عنها للأسواق لتوليها الحسبة في عهد الفاروق رضي الله عنه دنّس شرفها وشرف زوجها؟
هل خروج أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها من بيتها بالطعام لرسول الله صلى الله عليه وسلم،وأبيها، وهما في الغار دنّس شرفها؟ وهل خروجها من بيتها لرعاية مزرعة زوجها، ونقلها النوى على رأسها من أرض زوجها الزبير إلى بيتها دنّس شرفها وشرف زوجها؟
لابد أن ندرك أبعاد الكلام الذي نقوله ونكتبه، خاصة في مناهج دراسية يدرسها الملايين من أولادنا وبناتنا.
ألم تشارك الصحابيات الجليلات في تأسيس الدولة الإسلامية الأولى؟ ألم يُحاصرن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مع بني هاشم في شعب أبي طالب؟
ألم تُغامر السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها بحياتها بإرسالها سرًا الطعام للمحاصرين؟ ألم يُهاجر الصحابيات الجليلات إلى الحبشة، ثم إلى المدينة المنورة مع من هاجر من الرجال؟
ألم يبايعن كل البيعات التي بايع الرجال فيها الرسول صلى الله عليه وسلم بما فيها بيعة الرضوان على القتال في سبيل الله؟
من أول شهيد في الإسلام؟ أليست سمية رضي الله عنها؟
من دافع عن الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد حين انهزم عنه الرجال، أليست نسيبة بنت كعب رضي الله عنها التي تلقت السهام عنه؟
إنّ الاستدلال بآية(وقرن في بيوتكن)على وجوب قرار المرأة في بيتها استدلال خاطئ، لأنّ هذه الآية خاصة بأمهات المؤمنين فقط، وليس كل النساء، فالإسلام لم يُحرّم على المرأة الخروج للعمل والمشاركة في الحياة العامة، وتاريخ المرأة المسلمة في العهديْن النبوي والراشدي، وما تلاهما من عصور خير دليل على هذا، وبيّنتُ في الأسطر السابقة بعض النماذج.
وأسأل الذين يُصرّون على قرار المرأة في بيتها، وعدم الخروج منه إلّا للضرورة القصوى، لتقوم بواجباتها الأسرية والزوجية، لماذا يتلاشى هذا الدور بمجرد طلاقها؛ إذ تقذف في الشارع، ويُنتزع منها أطفالها، وعندئذ تكون عُرضة بالفعل لانتهاك كرامتها لاضطرارها للتسول لتعيش، لأنّها لا تحمل مؤهلًا تعليميًا تعمل به، فمعدو المنهج أهملوا تمامًا حقها في التعليم، وأعطوا للزوج حق منعها من التعليم والعمل، لتكون أَمَةً مطيعة خادمة لزوجها فقط، يستمتع بها وقتما شاء، فالمرأة في نظرهم خُلقت من أجل هذا، وهذا ما عبّر عنه الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره لآية(وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً ورَحْمَة)؛ إذ قال:» قوله:(خلق لكم) دليل على أنّ النساء خلقن كخلق الدواب والنبات وغير ذلك من المنافع، كما قال تعالى:(خلق لكم ما في الأرض)[البقرة:29] وهذا يقتضي أن لا تكون مخلوقة للعبادة والتكليف، فنقول: خلق النساء من النعم علينا وخلقهن لنا وتكليفهن لإتمام النعمة علينا لا لتوجيه التكليف نحوهن مثل توجيهه إلينا وذلك من حيث النقل والحكم والمعنى، أما النقل فهذا وغيره، وأما الحكم فلأنّ المرأة لم تكلف بتكاليف كثيرة كما كلف الرجل بها، وأما المعنى فلأن المرأة ضعيفة الخلق سخيفة فشابهت الصبي، لكن الصبي لم يكلف فكان يناسب أن لا تؤهل المرأة للتكليف، لكن النعمة علينا ما كانت تتم إلا بتكليفهن لتخاف كل واحدة منهن العذاب فتنقاد للزوج وتمتنع عن المحرم، ولولا ذلك لظهر الفساد.» وهذا القول لا يختلف عمّا ورد في منهج الحديث والثقافة الإسلامية لثاني ثانوي قسم العلوم الشرعية واللغة العربية بنين الآتي نصه:» وأنّ من طبيعة المرأة أنّها ضعيفة، ولو تُرِكَت دون توجيه ودون الأخذ على يدها فلربما فسدت وأفسدت، ولذلك حذّر الرسول صلى الله عليه وسلم من فتنة النساء فقال:» ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء»[ص 153] وهذا الحديث ضعيف فيه سليمان بن طرخان التيمي كان يدلس.
للحديث صلة.