شكلت مسألة مشاركة النساء في المجال العام للسلطات المصرية معضلة حقيقية، لما مثلته من مدد لعملية التغيير وإثراء لها، وحاولت السلطة، في فترات متعاقبة، إزاحة النساء وإبعادهن عن عملية التغيير، وقد شكلت البنى الثقافية المتخلفة، والمعادية لمشاركة المرأة في المجال العام، أرضاً خصبة لتسهيل إخضاع النساء، وحبسهن داخل المجال الخاص المحدود، أي داخل مؤسسات الأسرة والعائلة، لكن تلك الأساليب السلطوية، والتي حاولت أن تدفع النساء خارج معترك التغيير لم تفلح، خصوصاً أن النساء من الفئات الأكثر تأثراً بالأزمة الشاملة التي يمر بها المجتمع المصري، إذ ساهمت برامج التكيف الهيكلي وندرة فرص العمل وارتفاع معدلات إعالة النساء أسرهن، وانتشار الفقر، إلى دفع النساء للمشاركة في الحركة الاجتماعية، خصوصاً مع ازدياد تردّي أوضاع المناطق العشوائية، وتردّي أحوال العاملات الزراعيات وتفكك القطاعات الزراعية والصناعية وتعرض النساء إلى ظروف شديدة القسوة. لذا، لم يكن غريبا أن يطلق بعضهم مصطلح تأنيث الفقر، تعبيراً عن ازدياد علاقة الفقر بالنوع الاجتماعي.
قبل ثورة 25 يناير
شاركت المرأة المصرية في الحراك السياسي قبل ثورة 25 يناير، بل كانت إحدى خصائصه المشاركة النسائية الواسعة، حيث جذبت مطالب التغيير قطاعات واسعة، كان من ضمنها النساء، وكان أول احتكاك لعشرات آلاف من طالبات وفتيات المدارس الثانوية والجامعات بالحراك السياسي مع بداية فاعليات التضامن مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية.
وطوال السنوات الخمس السابقة على اندلاع الانتفاضات العربية في العام 2011، شكلت النساء جزءاً أساسياً من الحركة الاجتماعية، والتي تشكلت من التحركات الجماعية المنظمة، بهدف انتزاع حقوق أو تحقيق مكاسب (اقتصادية)، أو دفع مخاطر تحيط بتجمع سكاني، أو فئة ما من الشعب (مثل التهجير أو الإخلاء القسري أو التصدّي لتصفية منشأة صناعية). إذن، نستطيع القول إن مشاركة النساء في التحضير للثورة حقيقة واقعية، تمثلت في مشاركتهن في الحراك السابق على الثورة، حيث تقدمت الصفوف في الاحتجاجات التي كونت مشهد الحركة الاجتماعية، سواء في الجامعات أو المصانع أو في أوساط أحزمة الفقر التي رفع كثير منها شعارات تطالب بتحسين الخدمات.
وحاولت السلطة تشويه النساء، والضغط عليهن، للحد من مشاركتهن في الحراك الاجتماعي والسياسي، وخصوصاً مع بروز قيادات نسائية داخل الحركة الاحتجاجية، وتجسدت أساليب المواجهة والتضييق في الحرمان من الدراسة، أو الفصل من العمل، وتشويه السمعة، وصولاً إلى الاعتداء البدني.
وفى هذا السياق، كانت واقعة الاعتداء على مجموعة من الناشطات في أثناء تظاهرهن أمام نقابة الصحافيين في مايو/أيار 2005 ضمن إحدى فعاليات حركة "كفاية"، والتي عرفت إعلاميا بـ"الأربعاء الأسود"، وبعدها بعام، سجنت ثلاث نساء من أهالي منطقة قلعة الكبش على خلفية التحريض وقيادة تظاهرات من أجل تخصيص سكن لأهالي المنطقة، بدلاً من مساكنهم التي اشتعلت بين ليلة وضحاها، والتي أوضحت مؤشرات أنها كانت ضمن آليات التهجير القسري.
وكذلك ركزت إدارة المصانع، في هجومها على القيادات العمالية النسائية، بفصل وتشريد بعضهن، وخصوصاً القيادات النسائية المؤثرة. ويوضح ما سبق أن المرأة المصرية لم تغب عن المجال العام في فترات الحراك.
حدثت الثورات والعنف مستمر
على الرغم مما قدمته المرأة من تضحيات ومساهمات، إلا إن تعرضها لممارسات عديدة، تشكل ظواهر عنف وتميز، أصبحت حاضرةً وبقوة، بل ازدادت بعد الثورات العربية.
ونقصد بالعنف، هنا، كل فعل من شأنه إلحاق الضرر والأذى بالإنسان، جسدياً أو نفسياً، أو إجباره على فعل، أو الحد من حريته، بتهديده مادياً أو معنوياً، واستخدام القهر والقمع أداة لانصياع الفرد أو المجتمع لتصرفٍ ما.
وبهذا المعنى، تتعدد أشكال العنف ومصادره، إلا أنه، وفي الحراك السياسي، يبرز عنف الدولة تجاه النساء في المجال العام، وهو عنف لصيق الصلة بعلاقات القوة والهيمنة، وعدم توازن العلاقات بين السلطة والمجتمع، ويتصاعد هذا العنف ويزداد، كلما حدث خلل في علاقات الهيمنة ومساحات الحرية وموقف قطاعات النساء من تأييد السلطة أو رفضها.
ولعل ظاهرة العنف والتمييز ومحاولات التضييق، أو الرفض لمشاركة النساء تتفاعل، أيضاً، وبشكل كبير مع عدة عوامل، منها ما يتعلق بضعف البنى السياسية والمنظمات المدافعة عن حقوق النساء، وتجاهل كتل سياسية لقضايا المرأة واقتصار رؤيتها ونظرتها للنساء على أنهن أداة للحشد والتعبئة، خصوصاً مع سيادة الثقافة الرجعية المحافظة، الرافضة للتغيير السياسي والاجتماعي، والتي لا تهتم، بطبيعة الحال، بتحسين أوضاع النساء، وتكتفي باستغلالهن في المعارك السياسية، ومن نافل القول إن طبيعة ثقافة الشعوب تتأثر بالثورة، إلا أنها لا تتغير في ليلةٍ وضحاها، خصوصاً مع ضعف الجهود التي تطرح قضايا النساء، ضمن برنامج التغيير الذي طرحته الثورات.
وساهم غياب وجود تنظيم حقيقي للطبقات الشعبية (وقود الثورة) في بقاء أوضاع التميز النوعي والطبقي، بل وتوظيف هذه الأوضاع باستمرار في الصراعات السياسية.
وقد كانت مصائر الثورات العربية وارتباك خطواتها وصعود قوى لا تمثل أهدافها من أسباب تراجع أوضاع النساء، وعدم القدرة على إنجاز مطالبهن.
وتجاورت بهذا الشكل الأسباب الموضوعية المتعلقة بأوضاع النساء والمجتمعات، وبنيتها مع الأسباب الذاتية المتعلقة بالإشكال السياسية القائمة، والتي أهملت قضايا النساء، وفشلت في صياغة رؤية تراعي خصوصيتهن وأوضاعهن.
هذا الوضع المتشابك والمعقد جعل مطالب النساء بالعدالة والمساواة ورفض التمييز والعنف ليست محل اعتبار، بل اتسعت دائرة الخوف الخاصة بأوضاع النساء وإهدار حقوقهن، مع بروز دعوات التميز، ومحاولة بعضهم تقنينها قانونياً ودستورياً، خصوصاً مع ارتفاع أصوات رجعية عديدة دعت إلى شرعنة الحق في استخدام العنف وترسيخ التميز ضد النساء، ولم تنفصل تلك الأفكار، بطبيعة الحال، عن ممارسات السلطة، وموقفها الرافض لمشاركة النساء في الثورة.
وعلى الرغم من تغير شكل السلطة، مرة أخرى، بعد إسقاط الرئيس محمد مرسي، إلا أن لجنة الدستور ذاتها أظهرت في تصويتها على المادة 11 من الدستور الجديد، والتي تنص على كفالة الدستور للمرأة حقها في التعيين في الهيئات القضائية من دون تمييز، أن 21 % من أعضاء لجنة الخمسين المكلفة بكتابة الدستور ضد هذه المادة.
مؤشرات العنف والتوظيف السياسي
تعرضت المرأة المصرية، طوال سنوات ثلاث مضت، إلى آلية التوظيف السياسي، وقد استخدمت، في هذه المسألة، أدوات الترغيب والترهيب، بداية من استنكار خروج المرأة للعمل السياسي، وترهيبها من الوجود في ميادين الثورة، وحتى جرائم النظام ما قبل ثورة 25 يناير وما بعدها، والتي استمرت بانتهاكات المجلس العسكري، وبث دعاية معادية لوجود النساء في المجال العام، مثل إلصاق التهم الأخلاقية بالمعارضات ومن رفض حكمه من النساء، وذهبن إلى الميادين، وواجهن الهراوات والرصاص، وتعرضن لكشوف العذرية والاعتقال. وساهمت تيارات في الإسلام السياسي في بث دعاية التحريض والتحريم لمشاركة النساء في التظاهرات، واتهامهن بالانحلال الخلقي، مثل ما حدث في واقعة تعرية إحدى متظاهرات ميدان التحرير، والمعروفة إعلامياً بست البنات، حيث تم الطعن في أخلاقها وتبرير تعريتها، بأنها كانت ترتدى "عباية بكباسين"، في إشارة جنسية إلى سهولة خلع الملابس.
وبعد رحيل "الإخوان المسلمين"، ما زالت ممارسات عنف السلطة قائمة، فهناك مئات الطالبات والفتيات والنساء وقفن خلف القضبان، وتعرضن للانتهاكات، حتى القاصرات منهن، لا لشيء سوى التظاهر، بل تم القبض على إحدى النساء في مكتبة الإسكندرية، بدعوى أنها تحمل أجندة بها عبارات ضد ثورة 30 يوينو.
ويمكن إدراج قضية الفتيات المعروفة باسم "7 الصبح" في السياق نفسه، حيث تم الحكم في القضية بأحكام قاسية، ثم تمت تبرئتهن والإفراج عنهن بعد ذلك، إلا أن المثير للسخرية أن السلطة لم تفصل في قضايا كثيرة، تخص فساد النظام، أو قتل المتظاهرين، وحكمت على فتيات "7 الصبح" خلال شهر، بينما أغلب رجال حسني مبارك أحرار طلقاء، وبعضهم ما زالت قضاياهم قيد النظر، وكذلك تم القبض على 200 من طالبات الأزهر المساندات للإخوان المسلمين خلال مظاهرات شهدت أحداث عنف متبادل بين الشرطة والطلاب من جانب والطالبات وأساتذة الجامعة من جانب آخر، كما اعتدت على أستاذتين من أساتذة الجامعة طالبات مناهضات لفض اعتصام طلاب "الإخوان" في الجامعة، وكذلك تم التنكيل والاعتداء على عشرات ممن نظموا مظاهرات ضد قانون التظاهر، أو الذين تظاهروا للإفراج عن الشباب والشابات الذين تم سجنهم، إثر تظاهرهم ضد قانون التظاهر، إضافة إلى إصابة عشرات النساء وقتلهن، في واقعة فض اعتصام رابعة العدوية. ويمكن القول إن الدولة المصرية، وحكوماتها المتعاقبة منذ 2011، ارتكبت جرائم عدة، كانت المرأة إحدى ضحاياها.
يتضح مما سبق، أن المرأة المصرية تساهم، بشكل كبير، في دفع فاتورة التغيير، وتعاني من محاولات إخضاعها وتوظيفها من السلطة والتيارات السياسية في الصراعات السياسية، سواء كان بالإبعاد أو بإلقاء التهم، أو بالتحرش والسجن، أو عن طريق استخدامها قوة حشد وتأييد، ولا يختلف، هنا، الموقف كثيراً، فيما يخص الانتماء الفكري والسياسي، حيث يقف منهن خلف القضبان فتيات ينتمين إلى المعسكر العلماني والليبرالي واليساري الذي عارض "الإخوان المسلمين" وأسقطهم، مثل يارا رفعت سلام وماهينور المصري.

العربي الجديد