عبّر العربي عن الانتباع بعدة صيغ ، سواء كان انتباع الماء من باطن الارض ، أو استنباط الحكم الشرعي من مظانه ، أو أيّ شيءٍ آخــر  . وأبرز الأفعال المستخدمة في ذلك :
نبع -  بجس – نبط – فجر  ، وهي الافعال التي سأكتفي بشرحها في بحثي المتواضع هنا ، وبادئ ذي بدءٍ أوجه الشكر والتقديــر إلى الزملاء الأفاضل من كلية الدراسات الاسلامية والعربية ، في دبي الأساتذة :
د. عبد الكريم مدلج ، د. علي أبو زيد ، د. مازن حسين الحريري ، فهم من وجّـه انتباهي للبحث في هذا المقام ، شكر الله لهم ولجميع المهتمين بلغة الأجداد والجذور ، لغة القرآن الكريم .
( ن ب ع ) الفعل  " نبـعَ " : وردت مادته في القرآن الكريم مرتين فقط :
ينبوع : (( وقالوا لن نؤمن لك حتى تفْجر لنا من الأرض ينبوعا )) سورة الاسراء \90 .
ينابيع : (( ألم تَـرَ أنَّ الله أنزل من السماء ماءً فسلكه ينابيع في الأرض )) سورة الزمر \ 21 .
و معنى نبع في معجم اللغة العربية المعاصرة نبع من ينبع وينبع وينبع ، نبعا ونبوعا ونبعانا ، فهو نابع ، والمفعول منبوع منه• نبع الماء ونحوه من الأرض : خرج منها يتدفق نبع النفط - مياه نابعة - ينبع العرق من الجبين ° نابع من القلب : صادر عنه . • نبع العرق من البدن : نضح ، ورشح .
ومن المَجَازِ رَشَحَتْ نَوابِعُ البَعيرِ أي : مَسَايِلُ عَرَقِه وهِيَ المَوَاضِعُ الّتِي يَسِيلُ منهَا عَرَقُه كما في الصِّحاحِ
والنَّبْعُ : شَجَرٌ زادَ الأزْهَرِيُّ منْ أشْجَارِ الجِبَالِ وقالَ أبو حَنِيفَةَ : شَجَرٌ أصْفَرُ العُودِ رَزِينُه ثَقِيلُهُ في اليَدِ وإذا تَقَادَم احْمَرَّ وقد جاءَ ذِكْرُه في الحَدِيثِ : قيلَ : كانَ يَطُولُ ويَعْلُو فدَعَا عليهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فقالَ : لا أطَالَكَ اللهُ منْ عُودٍ فلَمْ يَطُلْ بَعْدُ للقسِيِّ تُتَّخَذُ منْهُ قالَ أبو حَنِيفَةَ : وكُلُّ القِسِيِّ إذا ضُمَّتْ إلى قَوْسِ النَّبْعِ كَرَمتْهَا قَوْسُ النَّبْعِ لأنَّهَا أجْمَعُ القِسِيُّ للأرْزِ واللِّينِ يَعْنِي بالأرْزِ الشِّدَّةَ قالَ : ولا يكُونُ العُودُ كَرِيماً حتى يَكُونَ كذلكَ ..
الفعل ( نبط \ ن ب ط ) : وقد وردت مادته في كتاب الله مرة واحدة ، قال تعالى في محكم تنزيله :
(( ولو ردُّوه الى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم )) سورة النساء \83 ، والآية دعوة للاجتهاد واستخراج الحكم الشرعي من أدلته ( الكتاب والسنة و ...) وأولو الأمر في الآية هم العلماء المجتهدون ، كذا قال المفسرون وجميع الأصوليين .
ومن المَجَازِ : النَّبْطُ : غَوْرٌ المَرْءِ . يُقَالُ : فُلانٌ لا يُدْرَك نَبْطُه ولا يُدْرَكُ لَهُ نَبْطٌ أَيْ لا يُعْلَمُ غَوْرُهُ وغَايَتُهُ وقَدْرُ عِلْمِه . وقال ابنُ سِيدَه : فُلانٌ لا يُنَالُ له نَبْطٌ إِذا كَانَ دَاهِياً لا يُدْرَكُ لَهُ غَوْرٌ  ، وفي المعجم يطالعنا الفعل ( ن ب ط \ نَبَطَ ) : نَبَطَ الماءُ يَنْبِطُ ويَنْبُطُ مِنْ حَدَّيْ نَصَرَ وضَرَبَ نَبْطاً ونُبُوطاً كقُعُودٍ وذَكَرَ الجَوْهَرِيّ البابَيْن واقْتَصَرَ في المَصَادِرِ عَلىَ الأَخِيرِ : نَبَعَ . ونَبَطَ البِئْرَ يَنْبِطُهَا نَبْطاً : اسْتَخْرَجَ ماءَهَا كأَنْبَطَهَا .
وفي المُحْكَم : نَبَطَ الرَّكِيَّةَ وأَنْبَطَهَا واسْتَنْبَطَها وتَنَبَّطَهَا هكَذَا في النُّسَخ : والّذِي في المُحْكَمِ : نَبَّطَها قال : والأَخِيرَةُ عن ابْنِ الأَعْرَابيّ : أَمَاهَهَا وقَدْ سَبَقَ للمُصَنّف : أَنْبَطَ الحافِرُ قَرِيباً فهُوَ تَكْرَارٌ . وقال أَبُو عَمْرٍو : حَفَرَ فأَثْلَجَ إِذا بَلَغَ الطِّينَ فإِذا بَلَغَ الماءَ قِيل : أَنْبَطَ فإِذا كَثُرَ الماءُ قِيل : أمَاهَ وأمْهَى فإِذا بَلَغَ الرَّمْلَ قِيل : أَسْهَبَ . وكُلُّ ما أُظْهِرَ بَعْدَ خفاءٍ فقَدْ أُنْبِطَ واسْتُنْبِطَ مَجْهُولَيْنِ . وفي البَصَائِر : وكُلُّ شْيءٍ أَظْهَرْتَهُ بَعْدَ خَفائهِ فَقَدْ أَنْبَطْتُه واسْتَنْبَطْتَهُ ، وحديثنا كله هنا يدور في أفعال الانتباع والانتباط واستخراج ما خفي ، ومن هنا كانت تسمية الشعر النبطي الذي برع به أهل البادية ، ينبطونه ويبدعون بمضماره !!!
ومن الجدير بالذك .ر أن النون والباء وما يثلثهما تشير إلى هذه المعاني بطريقة مباشرة أو مؤوّلـة :
نبأ – نبب – نبت – نبث – نبج – نبح – نبخ – نبذ – نبر – نبز نبس نبص – نبش – نبض –نبط – نبق –نبع – نبغ – نبك – نبل – نبه – نبو  ..
الفعل الثلاثي ( ب ج س \ بَجَسَ ) : وقد وردت مادته في القرآن مرة واحدة أيضا ، قال تعالى عن بني اسرائيل: (( وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )) الأعراف/160  .
قال الزبيدي ، صاحب التاج ( مادة \ ب ج س ) : بَجَسَ الماءَ والجُرْحَ يَبْجِسُه بالكسْر ويَبْجُسُه بالضَّمّ بَجْساً فيهما : شَقَّهُ فانبَجَسَ . والبَجْسُ : انشِقاقٌ في قِرْبَةٍ أَو حَجَرٍ أَو أَرضٍ ينبُع منه الماءُ فإن لمْ يَنبعْ فليس بانبِجاسٍ وهو في الجُرْحِ مَجازٌ ومنه حديث حُذَيفَةَ : " ما مِناَّ رجلٌ إلاّ به آمَّةٌ يَبْجُسُها الظُّفُرُ إلاَ رَجُلَيْنِ " يعني عليَّاً وعُمَر رضي الله عنهما الآمَّةُ : الشّجَّةُ التي تبلُغُ أُمَّ الرَّأْسِ ويَبجُسُها : يَفجُرُها وهو مثَلٌ أَرادَ أَنَّها نَغِلَةٌ كثيرةُ الصَّديدِ فإن أَراد أَحدٌ أَنْ يَفجُرَها بظُفُره قَدَرَ على ذلكَ لامتلائِها ولم يحتَجْ إلى حَديدة يَشُقٌّها بها . أَرادَ ليس منَّا أَحَدٌ إلاّ وفيه شيءٌ غير هذين الرَّجُلين . بَجَسَ فلاناً يَبْجُسُه بُجوساً بالضَّمِّ : شتمَه وهو مَجاز أيضاً كأَنَّه نَمّ عن مَساوِيه . وماءٌ بَجْسٌ : مُنبجِسٌ وقد بَجَسَ بنفسِه يَبجُسُ يتعدَّى ولا يتعدَّى وكذلك سَحابٌ بَجْسٌ . وبَجَّسَه الله تَبْجيساً : فَجَّرَه من السَّحاب والعَيْنِ فانبجَسَ وتبَجَّسَ : انفجَرَ وتَفَجَّرَ قال الله تعالى : " فانْبَجَسَتْ منهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً " . وبَجْسَةُ بالفتح : ع أَو اسم عَيْنٍ باليَمامةِ سُمِّيَ لانفِجارِ الماءِ به ، وانبجاس الماء يفيد خروجه . بهدوء من مكان ضيِّق ، لكنه أقوى من النبع والنبط .
الفعل الثلاثي ( فجَـر \ ف ج ر ) : قال ابن منظور في اللسان : والفَجْر تَفْجيرُكَ الماء والمَفْجَرُ الموضع يَنْفَجِرُ منه وانْفَجَر الماءُ والدمُ ونحوهما من السيّال وتَفَجَّرَ انبعث سائلاً وفَجَرَه هو يَفْجُره بالضم فَجْراً ، فانْفَجَرَ أَي بَجَسه فانْبَجَس وفَجَّره شُــدِّد للكثرة ...
وقد وردت مادته في القرآن الشريف أربعا وعشرين مرة ،منها احدى عشرة مرة بمعنى الخروج :
(( وفجّرنا خلالهما نَهَـرا )) الكهف \33 .
(( وإنَّ من الحجارة لما يتفجر منه الانهار ... )) البقرة \74 .
((وجعلنا فيها جناتٍ من نخيل واعناب وفجرنا فيها من العيون ))سورة يـس \34 .
(( عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا )) الانسان \6  .
(( فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ...)) البقرة \60 . ..........الخ الآيات الكريمة .
والملاحظ أن الأخيرة - آية البقرة \60 – تشترك بمناسبة النزول مع آية الاعراف التي أوردناها سابقا في مادة (ب ج س ) قبل قليل ، ولنورد الآيتين معا لتتضح المقارنة :
1 – آيــة البـقــرة : ((وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ . )) آية60
2 – آيــة  الأعـراف : (( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )) الأعراف/160
والتساؤل لماذا كان الانفجار في آية البقرة والانبجاس في آية الأعراف ؟ وكما نعلم فالانفجار أقوى وأغزر ، فهو يشير إلى انتباع الماء وخروجه من فوهةٍ أوسع من فوهة الانبجاس ، لذلك فهو أغزر وأشد أفعال الانتباع ، ولو أردنا الترتيب لكانت الأفعال على النحو  التالي مرتّـبـةً :
سال وخرج – نبع – نبط – بجس – فـجَـر  ، لماذا إذن ؟؟؟...
 لنلاحظ في آية الأعراف من الذي أنبط الماء ؟ من أمَاهَ ، العيون الاثنتي عشرة ؟
إنه موسى عليه السلام والقو م هم من استسقى.( طلبوا السقيا من موسى ) وفي آية البقرة نجد المستسقي هو سيدنا موسى ( طلب السقيا لقومـه من الله تعالى ) ...
هل اتضحت الصورة الآن ؟
لما كان الله تعالى هو الساقي انفجر الماء وهو أشد انواع الاماهة والانتباع غزارة وتدفقا ، وحين كان الساقي سيدنا موسى خرج الماء منبجسا انبجاســاً ، فهو غزير ولكنه ليس بمستوى الانفجار المائي .
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين .