بعض النساء اللواتي خلّدهن التاريخ هن في الأصل حالة من التجلي الوجداني التي أسس لها الشعراء والكتاب والرواة، حيث تتحول الشخصية في مختبر الكتابة الإبداعية إلى حالة قابلة للتجلي، وهي إذ تقبل هذا فإن السبب يعود بالتأكيد إلى شراهة الوجدان الإنساني، وهجمة المخيال الإبداعي الذي يعمل على تأثيث أنثاه بالشكل الذي يرغب ويريد.
ففي المنجز الأدبي والروائي عبر التاريخ هناك العديد من النسوة اللواتي خلدهن التاريخ، وخلق لهن سماكة من الصعب اختراقها أو التطاول عليها، ففي التاريخ البشري القريب يمكن الجزم بأن شخصية زوربا التي شكلها الروائي اليوناني نيكوس كازنتزاكي قد حملت على ضفافها شخصيات نسائية كان لها الأثر الجارح على القارئ، إذ كيف يمكن لنا أن ننسى عجوز زوربا، تلك المرأة التي ظلت متصابية بذاك الطلاء الذي تضعه على وجهها، وبقية الاكسسوارات التي كانت تتحدى الهرم والتجاعيد، وتثير شجن التواصل مع الحياة عند زوربا، وفي المقام ذاته كيف لنا أن ننسى تلك الأرملة التي تحرس الرواية بأنوثتها المكبوتة.
المشكلة عند هذا النوع من النساء اللواتي يخلقن من رحم الحبر أنك لا تستطيع منعهن من استمرارية الحياة والتكاثر على مستوى الصورة المخيالية وتداعياتها، فهن يختلفن بالتأكيد عن تلك المرأة المستقرة في الواقع، وهن وحدهن من يقبلن التغير والإضافة وإعادة التشكيل في كل مرة تتحدث فيها عنهن.
والحال فإن امرأة رواية بيجماليون هي امرأة قابلة في كل مرة لأن تشاهد من جديد، وهي تتشكل بالوضع الرغائبي المتوافر عند القارئ، وعند المؤلف أيضاً، ويمكن التحدث عن الحالة بعمق أكثر عند «مدام بوفاري»، التي تظل كلما أردت أن تقرأ الرواية أن تطل عليك تلك المرأة بطباعها المربكة للرجولة والذكورة في آن واحد، ويمكن القول أيضاً إن الليدي تشارتلي وعشيقها قد تفعل بك مجمل هذه الأفاعيل.
ويمكن القول أيضاً إن النساء القادمات من رحم الأسطورة كنساء طروادة، وحتى نساء الأمازون، هنّ نساء يمتلكن قدرة التحرش بالمخيال الذكوري في كل مرة يحضرن فيها إلى الذاكرة الإنسانية، وذلك بسبب ما يمتلكن من توطئة لها الأثر العميق في المخيال في الأصل.
وهكذا فإننا نلحظ أن النساء القادمات من قدح المخيال الأدبي هن، على الرغم من مرجعيتهن الحبرية والورقية، أكثر قدرة على التأثير في المستويات القرائية، وهن أقدر على البقاء من النساء اللواتي فرخهن الواقع الاعتيادي.
وهكذا نلحظ أن هناك ما يمكن تسميته بشبهة القراءة، وأن المرأة التي نقرأها في الروايات والأعمال الأدبية عموماً تظل أقرب إلى الخلود كلما اقتربت من الخطيئة الأولى ومن تداعياتها، وإلا فما معنى هذا الخلود الحبري الذي تعيشه مثل هولاء النسوة، وما سر كل هذه القدرة على التجدد والتجديد عبر تاريخنا القرائي