طعم الاسمنت والتراب لازال في حلقي .. كل شيء أسود ورمادي كل ألوان البيوت باتت كالحة محترق بعضها بالكاد تتنفس هواءا حين تتجول بين شققها..! رائحة الموت تفوح من كل زاوية بالشقق والحيطان وقعت وباتت غرف البيوت عارية إلا من الحجارة والأسياخ الحديدية وحطام الأثاث.. الأبواب لم تعد بأماكنها، الخزانات باتت سدا آخرا يغلق باب الحياة.!! أسرة الصغار انكشفت وأجسادهم على السماء السوداء والنيران المشتعلة.. الصراخ والصدمة كانت رداءا لأهالي تل السلطان فجر اليوم بعد أن دكت تسعة صواريخ حربية إسرائيلية مربعهم السكني مقابل مدرسة القادسية..
النساء تركض وهي تشد على أيدي أطفالها وتحتضنهم، الصغار يحتمون بما تبقى من منازلهم، الرجال هبطوا للشارع علهم يدركون هول ما حدث.!. بنايات هوت على من فيها وباتت ركاما موتا على رؤوس ساكنيها، النيران اشتعلت في منزل أبو سليمة الشقة العلوية من البناية التي تقطن فيها 6 عائلات كاملة، تلقت الصدمة عدة منازل وعدة عائلات منها عائلة كلاب، وعائلة يونس، وعائلة أبو سليمة، وعائلة برهوم وهنالك العديد من المنازل الأخرى بمن فيها من عائلات قد تضررت وعاشت ليلة سوداء دامية على حد تعبير أهل رفح.
دخلت البيوت كلها دون أن يكون أصحابها فيها..!! فبعضهم في المشفى وبعضهم يصلون على شهدائهم فيما تبقى لديهم من مساجد لازالت على قيد الحياة، وبعضهم في وداع الآخرين وبعضهم من نساء وأطفال ذعروا وفروا من المكان الذي قتلت فيه الحياة..!!
 دخلت البيوت كلها دون استئذان فالأبواب باتت جسرا تمر عليه فوق الركام، والزجاج يملأ الأرض بينما النور يقتحمك من كل زاوية بالبيت بعد أن فقدت كافة الجدران والنوافذ..!! بيوت بلا أصحابها لا معنى لها!! كلما تقدمت خطوة رأيت حقيبة سفر أو ملابس محترقة متناثرة أو مقاعد وفرشات محترقة كانت مكانا للجلوس، أو حذاءا صغيرا وضع بعناية رغم التراب والحجارة .. بعض صور الحيطان بقت على حالها وبعضها تمزق إربا.. دخلت البيوت ولم أشعر أني غريبة فالبيوت تشبه بعضها والوجع يكبر إذا تشابه.. هرعت أبحث عن البشر والأحياء واقتربت من مجموعة نساء يتشحن بالسواد باكيات وبعضهن لازلن مصدومات يجلسن في الجانب الآخر من الشارع المقابل للمسجد حيث يصلى على الشهيدات والشهداء..!! ينتظرن أن يلمحن وجوه الراحلات والراحلين ويبكين، كن عشرين امرأة وأكثر ولم يكن بالإمكان أن تبحث عن أحد ما فكلهن مكلومات وكلهن موجوعات.. إحداهن شابة صغيرة "حنين كلاب" اندفعت نحوى قائلة.. قتلوهم في البيت دار عمي زوجته وبناته ضربوا الصواريخ عليهم تسع صواريخ!! شو ظل فيهم من عيلة كلاب ..أنا عمري واحد وعشرين سنة لكني حاسة أني صرت مئة سنة شفت الدنيا مولعة والبيوت مولعة والخوف شل حركتنا، زوجة عمي استشهدت وأولاد عمي الثلاثة استشهدوا، بعضهم نشلوهم من الموت مش عارفة كيف ظلوا عايشين لكن حالتهم صعبة؟!! بدنا نشوفهم لآخر مرة ويمكن ما نشوفهم الوضع كله موت !!
أما أمها لحنين وهي زوجة عم الشهيدة وبناتها:" أنا باقول لجوزي نفسي مقبوضة حاسة في ايشي مش قادرة أنام، صحينا ع صوت القصف نار نار وندور ع أولادنا زي يوم القيامة كله يطلع ببعضه نزلت بجلابية الدار، قالوا دار عمي ما تطلعوش الطيارة لسة بتضرب، وكان في ناس كثير لاجئين عنا 6 طوابق على الأرض طلعنا ومش عارفين وين نروح الزجاج بيترمى بالشارع والحجارة من حوالينا، وكان عنا ثلاثة من أخوة الشهداء نايمين عنا قبل بيوم والله نجاهم وحفظهم، أما الشهيدة وأولادها ظلهم يدوروا عليهم من 3 الفجر لحد الساعة 10 صباحا مش عارفين يطولوهم، وبعدين لقوهم هم وأمهم حاضنين بعض من الخوف وكثرة الضرب.. !! حسبنا الله ونعم الوكيل"
***
"ليلى يونس" (30) عاما وأم لأربعة أطفال مروة ومؤمن وميار وليان أكبرهن 9 سنوات وأصغرهن أقل من عام واحد.
تقول والإعياء وهول الصدمة بات وجها آخر ترتديه تحاول أن تحدثنا فتقول:" كنا نايمين وصحينا على الخبط، الشباك كان بنص الغرفة، والزجاج بيطير حوالينا، احنا بالدور الرابع مسكت بصغاري وزوجي مسك بباقي الصغار ونزلنا تحت وسمعنا ضربة ثانية وثالثة وكل شيء بيطير حوالينا وبوجوهنا، وعلى الدرج شفنا الدم ع الحيط، كان سلفي رامي بيدور على بنته صبا وسلفتي سهام محجوزة بغرفة نومها لأنه الخزانة سكرت عليها الباب..!! كان كل ايشي مخيف حوالينا ومش فاهمين ايشي، هيك الدنيا كلها قلبت فوق رؤوسنا ومش عارفين شو نعمل..! طلعنا على بيت الجيران والرجال قالوا اطلعوا واحنا بنشوف الوالد وزوجته، كانت الدنيا كلها حجار ونار مولعة بدار جيراننا والسكان كلهم مصدومين والاسعاف بدأ ييجي على المكان، والكل خايف لأنهم ما بطلوا يضربوا صواريخ وما عدنا عارفين بيت جيراننا، دار أبو سليمة كلها كانت مولعة محروقة وواقعة الحيطان وتدمرت، كلهم بالمستشفى هذا الي شفته وبعدين عرفت أنه عمي المربي الفاضل أبو كمال يونس استشهد وزوجته آمال كمان استشهدت!! دمروا نفوسنا ودمروا بيوتنا وكل شيء كسروه جوانا!! "
***
أم إياد سعد الدين (65)عاما تقول: " كنا قاعدين بنخبز علشان الكهربا اجت متأخرة ولجأت عنا عائلتي بناتي من غزة وأولادهم كنا 50 نفر بالبيت، فجأة صار كل شيء بيقع بالبيت، الشبابيك والإطارات البلاستيكية، الثلاجة باللي فيها احنا كأنه حد بيحملنا وبيرجعنا، كان في هبو نار نار بييجينا من شبابيك جهة الشارع، الكل صار يجري ويركض كأنه يوم القيامة نهرب من مكان لمكان من حرارة الانفجارات، لحد ما اتجمعنا كلنا صغار وكبار بنص الدار قريب من الباب لأنه كنا مرعوبين خايفين نتحرك أو ننسى حد من الأولاد، وكان صراخ الصغار يقطع القلب، مع كل دبة صاروخ كان الكل بيمسك بايد الثاني وبيتشاهد على روحه، بعدين لما بدأ يسكت شوي صوت الضرب فقدنا ولادنا وبناتنا وخفنا نتحرك لأنه كل الزجاج طار على الصغار وصرنا نرفعه عن شعرهم وملابسهم، الأبواب علقت وصارت تفتح بصعوبة، خربولنا الدار والبنات صار وجههن اصفر بدهن يطلعن من البيت من الخوف"
ويكمل ابنها أحمد سعد الدين (21) عاما: " لما استوعبت شو يصير سمعت جارتنا بتصرخ من الشباك وبتقول الحقوني ابني متصاوب، نزلت وحاولت اصلها من الباب ولقيت ابنها عمره(5) سنوات مصاب بشظية كبيرة في رجله ومن الرعب بيجري ومش حاسس بحاله، أخذته وطلعت فيه بالإسعاف، ولقيت حد من الجيران بيحط بين ايدي طفلة صغيرة عمرها سنة ونص بتغمض وبتفتح من حلاوة الروح، كانت كلها غبرة وتراب وظليت ماسكها لحد ما وصلنا المشفى نزلت بالطفلين، وأول ما أخذوها بدأوا يمسحوا بالمحاليل الغبار والتراب اللي عليها إلا أنا بأشوف جلدها بينمزع معهم وبيطلع .. شعر رأسي وقف من المنظر وصراخها عبى المشفى، لفوها بالشاش الأبيض وبعد ما اخذوا صور أشعة، كل اللي كنت بأفكر فيه ساعتها شو ذنبهم الأطفال في هالحرب والموت الأحمر هذا؟!! حرام اللي بيصير حرام"
***
محمود أبو سليمة قال:" انقضنا الوالد والوالدة بأعجوبة كان الركام عليهم لأنه غرفتهم في مواجهة القصف، هما كبار في السن الوالد عبد الفتاح (72) سنة، والوالدة فتحية (60) سنة، كانوا واعيين وبيناشدوا حد ييجي يرفع عنهم الركام، وقدرنا نطلعهم الحمدلله وارسلناهم للمشفى لما أجي الإسعاف، كان في حريق في دار أخوي إبراهيم في غزة النوم كلنا احنا 6 عائلات كل واحد شقة كل دور مقسم على شقتين، الكل تضرر والبيت تدمر والرماد وكل نيران الصواريخ كانت في بيتنا لأنه بالواجهة، أولاد اخواتي كلهم مصابين وفي منهم محروقين وأخوي يوسف أولاده وزوجته."
وفي شهادة اياد برهوم (30) عام: قال:" حين جئنا لإنقاذ الجرحى والمصابين، كان في صوت ناس بتصرخ من تحت الردم وطلعنا احياء من دار أبو حسين كلاب هو صاحب البيت وابنه وابن ابنه مولود 10 أيام بحمد الله، وكان بآخر الشارع شهيد رأسه مقطوعة لم نعرفه لأنه انفجارات الصواريخ خلته يطير اكثر من 200 متر عن مكان الضرب، ولحتى 10 الصبح واحنا بنحاول نطلع من الشهداء من تحت الركام، بيت كلاب كان 5 طوابق صارت زي الكرتون ..!!"
... مشاهد الدمار كانت تغرق مد البصر يمينا ويسارا.. الألم يكبر كلما أمعنت الحوار مع من تبقوا أحياء.. تبحث عن نقطة أمل زهرة طفلة أي حياة في المكان لكنك رغما عنك تجد نفسك متورطا بالحزن والوجع والقهر ولا تجد ما تقوله في عزاء طفل أو امرأة أو شاب أو عجوز لأنهم رحلوا ولن يرجعوا لأحبابهم.. لكن الأمل فيمن ملقون على أسرة المشافي لم يعرفوا ما حدث لبيوتهم ولن يجدوا أسرتهم أو جدران بيوتهم إن بقوا على قيد الحياة..
رفح .. نحبك ونخجل من وجعك