حزينة أنا.. كتلك القطعة النقدية المرمية في علبة الطماطم القديمة بيد طفل الرصيف.. يهزّني في كل مرة.. ليُسمع المارة رنين خصري.. فيشفقوا على يد الطفل المشروخة.. ويرمون لي في كل مرة صديقا أو صديقة تؤنسني.. في كل مرّة نصير مجموعة تتراقص في العلبة الصدئة.. يجوع الولد الصغير.. يضع يده بيننا ويغرف مِنّا ما يشتري له رغيفا بائسا.. وأبقى لوحدي.. ككلّ مرة.. أرقص على نغمات توسّله الشجيّة.. "لله ثمن الرغيف"..
في عزّ البرد.. أصبح مهدّدة بالطرد في أيّة لحظة..
يساورني الخوف.. والعابرون يخشون إخراج أيديهم من جيوبهم من شدّة الصقيع..
يساورني الخوف.. والعلبة فارغة إلاّ منّي..
يساورني الخوف.. والجوع يقرص بطن رفيقي.. ولا أحد سواي قادر على سدّ جوعه..
في اللحظة التي يقرّر فيها شريك الرصيف المغادرة لصرْفي عند الخباز.. تمرّ عابرة سبيل.. ترمي له ما تيسّر من النقود فتمتلئ العلبة..
أعترف أنّي كرهت تغيير الوجوه في كل مرّة.. وصرت أحبّذ الانزواء وحدي في ركني الصغير..
نهض الصغير لتناول حساء ساخن في آخر الشارع.. وكالعادة لم أخرج أنا من العلبة... كأنّي صرت أيقونة لجلب الحظ السعيد له.. الواقع أني لم أكن قطعة ارتمت مصادفة من غريب داخل العلبة.. أنا ذاكرة أمه التي وهبته آخر ما تملك قبل رحيلها.. أنا.. وضمّة قلب دافئ..
جيبه كان مثقوبا.. فلم يعد يضعني بداخله.. وشمني منذ ذلك الوقت بنقطة دهان بيضاء ليميّزني عن البقية.. وفي كل مرة لا يجد سواي في قاع العلبة يكتفي بنتفة خبز يابسة يخبؤها ليوم لا يرحمه فيه.. لا البرد.. ولا عابروا السبيل.. ولا أبناء جنسه..
حزينة أنا.. لأني كتلك الأيقونة.. أرقص دائما للعابرين.. كي يسكن جوع هذا الصغير.. ولا أحد يرقص من أجلي.. كي يسكن حزني.. ولا حتى رفيق الرصيف..