بدأ باكرا اكثر مما تصورون.!.!
لم تغفو أعيننا طيلة الليل حتى منصفه، كان البيت يتزلزل وكأنه كابوس لا ينتهي.. بعد منصف الليل والإعلان عن الهدنة الإنسانية لـ72 ساعة تنفسنا الصعداء ولكن قلوبنا كانت ملتاعة إذ دوما الساعات الأخيرة حاسمة.. لم ننم كنا كالأشباح بالتناوب نحاول أن نكسر حدة القلق الذي بات وحشا ينهشنا..! ماذا نفعل لنذيبه كما يذاب السكر لا شيء لا شيء على الاطلاق عليك أن تعيش الساعات والدقائق.. كانت السابعة صباحا الأول من أغسطس ولم يتوقف صوت القذائف والطائرات حتى الثامنة صباحا.. الوضع متوترا متأزما!!
التاسعة الا ربع صباحا كانت صواريخ الطائرات الإسرائيلية تسقط قرب الحدود المصرية!! ثم صمت يشبه إلى حد ما اللاشىء!!
قررت أن أزور أبي في مخيم الشابورة ولم أره منذ وقت ولم يكن هنالك من خيار غير أن اراه وأحاول الاطلاع على ما يدور في رفح..
خرجت بفعل عدم وجود أي سيارات وطفلاي إلى الشارع وبدأت أمشي على الأقدام كان صوت المدفعيات خلفية للمشهد لكنه كان مكتوما، لم أفهم ما يجري!! قليل من الشباب يمشي بالشارع الأسفلتي الطويل والبعض يقف أمام باب بيته ليطل على الهدنة الإنسانية وليتأكد من صحتها.. كانت بعض العربات قد بدأت تأتي من الشرق لكنها مكدسة بالركاب.. ثم صادفت في انعطافة الشارع الطويل رجل وزوجته وسبعة أطفال أحدهما على يديها ويبدو عليهم الهلع والرعب ويكادون يجرون أمامي باتجاه الشابورة.. ركضت قليلا وناديته.. ماذا هنالك لماذا تركضون؟!!
قال دون تفكير: يختي الصواريخ الصواريخ قدمنا ربنا لطف في والأولاد كنا حنموت.. الصواريخ والقذائف رز ع الناس!!
وقفت زوجته وهي تلهث: احنا كنا بالمدارس من 15 يوم ولما قالوا هدنة رحنا نطمن ع بينا بالشوكة!! و5 متر بيننا وبين دارنا لما وصلنا إلا الصاروخ قدامنا من السما.. والناس قدامنا صاروا يصووتوا ولفينا بسرعة حالنا ورجعنا اني نجري.. الله لطف فينا لكن في ناس اتصاوبت كان طالعة ع موعد الهدنة !!!
ودعتهم بحسرة وأصبح أمام النجمة في الشابورة وصوت المدفعيات أصبح قريبا جدا وعالي جدا وأصوات الانفجارات لم تتوقف، وصلت أبي وحمدت الله أنى رأيته وأن لديهم كهرباء لأطلع على ما يحدث!!
..... كان كله تمام بالتلفاز والكل يهني بالهدنة!!! أيضا لم أفهم وحاولت الاتصال بزوجي.. كانت شبكة الاتصالات ليست جيدة كفاية، حتى تمكنت من مهاتفه.. وجاءني صوته كمن يركض والصدمة تملأه:
لا تخرجي من البيت..!! القذائف تصلنا في محيط مشفى النجار، واستهدفوا سيارة، ويضربوا أي شيء يتحرك..!!
عدت أدراجي إلى حي الجنينة وهالني ما رأي الشارع الأسفلتي الطويل يملأ بالنساء والأطفال والرجال يركضون كأن صاعقة حل بهم!! وهي صاعقة فعلا فالقذائف انهال عليهم وكلهم على ذات الرواية ... اعقدنا أنها هدنة فخرجنا من المدارس لكي نفقد بيوتنا وحياتنا وأهلنا فانهالت علينا القذائف المدفعية حسبنا الله ونعم الوكيل..
نكبة جديدة.. يوم الخديعة ويوم العار على البشرية.. قتلوهم بينما ذهبوا يتفقدوا بيوتهم.. القذائف تقترب تنهال في كل مكان.. الناس بدأت تركض..
امرأة على كرسي متحرك يجري بها أحد أحفادها!! وهي مفجوعة بتكرار الهجرة مرة ثانية.. ذاكرتها أرهقتها فأغمضت عينيها!!
امرأة تجري وتصرخ.. أخذت ابنتي هذه وأشارت لطفلة لم تتجاوز الاثني عشرة عاما.. وتركت ولدين مش عارفة الدخان صار بكل مكان والقذائف فرقتنا... مش عارفة وين جوزي..!!
امرأة تسعينية وقفت تلهث ثم قالت: هدوا دار باللي فيها شفناهم يا بنيي لسة بدهم يطلعوا من الدار اندفنوا.. بطلنا شايفين ايشي ولا ايشي.. شفناهم وصراخهم بدماغي وصرنا نجري ماندري!!!
رجل قال: يادوب وصلنا ظلهم يضربوا قذائف عشرات عشرات الانفجارات بيوت بتتفجر شهداء مرمين بطريقنا مش قادرين أي حد نوخذ المصابين.. ارتعبنا واللي نجا نجا.
امرأة ورجل هربا من المناطق الشرقية على كارة حمار لهما، ولم يكدا يخرجان حتى قصفتهم قذيفة وطارت أجزاؤهم بالمكان!!!
.. كارات حمير يملأها عائلات.. شاحنات ملأتها النساء وجلسن عليها هاربا من القصف وعائلاتهن.. تكاتك ممتلئة بالناس.. السيارات القليلة الي تتحرك تملأ العشرات فيها.. الأغلب لم يجد سيارات أو وسيلة اتصال..
النزوح كان مستمرا الناس قالوا كلما سألهم منطقة أخرى جديدة..!! زلاطة، الشوكة عامر البلبيسي.. النجار!!
لم أكد أتركهم وقلبي مشعل بالوجع لأجلهم ودخلت البيت لأطمئن على أطفالي حتى سمعت انفجارا مدويا من الطائرات الحربية، ارتج قلبي وأخفيت رأسي وأذناي لا أعرف لماذا؟؟ ربما من شدة الانفجار ووجدتني أخرج لأرى ما يحدث فرأيت الشارع الأسفلتي وقد تناثرت فيه الدماء والأشلاء البشرية هرعت مع صياح الجيران والناس الذين كانوا ينزحون في الشارع ورأيت رجلا في منتصف الشارع وقد انكفأ على وجهه وطارت قدمه في أرض الملعب خلف بيتي مباشرة، وامرأة على الناحية الأخرى مضرجة بدمائها وملقاة على الأرض، ورجلان أيضا كل في جهة.. الكل أصبح يركض ووصل الإسعاف وحمل الشهيد الأول ثم رجل مصاب إصابة خطيرة، ثم الإسعاف الثاني أخذ المرأة والرجل الثالث وقفز أحد الشباب لأرض الملعب ليجلب قدم الشهيد الأول ليحمله الإسعاف الثاني؟؟!! اللحم متناثر على الأرض ورشق المارة فغرقت ملابسهم بدماء الشهداء!! قاسية مفجعة هي الحياة!!! أن ترى الموت متناثرا أمامك وكأنك لا ترى زجاج التلفاز بل تراه أمامك. أفرك عيني وأكز على عيني وأصور ما يحدث!!! لا يجب أن يموتوا بصمت.!!
الموت قاب قوسين أو أدنى البعض نجا لكن ارتقي للعلا ثلاثة شهداء ثم فوجئنا بمصابين آخرين ملقون على زاوية أبعد من الشارع ولم يشعروا بالألم والاغماء إلا بعد أن ذهب الإسعاف ليطلب من هو موجوا اسعافا ثالثا!!!
خفت حركة الناس وزادت الضربات ولزمت البيت إلا أن أصوات الانفجارات لم تصمت على أثر هذا القتل الذي لا يبعد أمتارا خرج الكثير من السكان مع الروايات القاسية التي سمعوها، ولم أفكر للحظة بترك المنزل خاصة مع الرسائل التي وردتنا باستهداف أي شيء متحرك !!!
ماذا يفعل الناس أين يذهبون؟
 كل المناطق الشرقية من رفح تم تهجيرها، المستشفى المتواضع فيها مسشفى أبو يوسف النجار امتلأ بجثث الشهداء به الآن 64 شهيدا، تم استهداف الإسعاف واستشهد مسعفين!! أغلقت منطقة المستشفى ولم يعد هنالك قدرة على وصول الإسعافات او المصابين وباقي الشهداء لها، وأخليت بعد أن لجأ إليها أيضا آلاف اللاجئين من السكان ثم حاولوا أن يخرجوا برايات بيضاء ولم يسلموا أيضا من الاستهداف والقتل، عزلت رفح وارتكبت مجاز طيلة الليل بالبيوت التي هدمت على رؤوس ساكنيها آل زعرب.. أبو سليمان.. أبو عيطة.. النيرب.. أبو محسن.. الشاعر.. المنيراوي .. وغيرهم لم تتوقف الطائرات أبدا قصفا بالبيوت في أماكن مكتظة بالسكان ولم يتوقف القصف المستمر على الحدود المصرية بحجة الانفاق.
مجازر بالعائلات...  عائلة آل زعرب قضي الأمر!! ماذا نواسي ماذا نحصي من شهداء وشهيدات!!! 15 عشر شهيدا وشهيدة ونجت احدى السيدات اليوم وأنجبت طفلا!!! من المو يخلق حياة هو الله !!
رفح تئن من الألم والوجع للمصابين لا يمكنهم جميعا بلوغ المشفى البديل والمتواضع والذي لا تجاوز سرائره عن العشرة!! فمشى بعض المصابين يحملهم أهلهم على الاقدام. طبيب في المستشفى البديل يقول لي.. ما تقولونه لا يذكر عائلات وصلتنا مشوهة!! أحياء مشوهون..!! أطفال مقطعون أشلاء أنصاف بشر!! أنصاف أطفال... كأنما وحش أكل بعضا منهم واكتفى!! بشاعة الحياة تفيض بها وجوه الجرحى!! الدماء تغرق كل شيء الأرض والأسرة والحيطان والأحياء!! مجازر لا نكاد نفيق في عائلة حتى ندمى بعائلة أخرى!!
أما الشهداء فقد فاقوا في مجزرة رفح عن 118 شهيدا بعضهم في ثلاجات الخضار لم تعد تتسع الثلاجة للشهداء ولا يستطيع الأحياء دفن الشهداء، وإن حاولوا كصبيحة اليوم فمن بقى حيا ربما يزف شهيدا.. الجرحى زادوا عن اربعمئة جريح ولازال مسلسل القتل مستمرا
لا سبيل يا رفح للحياة أرادوا اغتيالك لكنك لن تنكسري!!  كلنا نكسنا عيوننا ولبسنا السواد ونثرنا الورود على فلذات كبدك..