أمام جملة من الوسائل والتقنيات التي باتت تسيطر على تفكير واهتمامات جيل اليوم والتي تأخذ من وقتهم الشيء الكثير، تظهر لنا مهمة تعزيز بعض القيم والتي لا يمكن أن يجدوا حولها أي تنوير ودعم خصوصاً أن وقتهم مزحوم مع مطاردة الجديد والعالم الافتراضي فضلاً عن الاهتمامات المعتادة والتي هي أبعد ما تكون عن معرفة حقيقة معنى الوطن والمواطنة أو بالدراية عن معنى الهوية وواجباتها ووظائفها، بل حتى الهوية والانتماء البناء المثمر الذي يشعر بالمسؤولية وينمي هذا الشعور..
وأحسب أنه حتى يكون لدينا جيل واع بالتحديات التي تواجهه هو أولاً، ثم تواجه بلاده ومجتمعه، فإنه يجب عليه أن يكون على معرفة وإدراك بطبيعة هذه التحديات وهذا يتطلب توعية مستمرة بمنهجية تعليمية. أعتقد أننا في أمس الحاجة لتعزيز الانتماء الوطني لدى النشء بداية من المؤسسة الرئيسة وهي البيت ثم المدرسة منذ التعليم الأولي، وتظهر لنا أهمية تعزيز قيم الانتماء، مع تزايد ما نراه ونلاحظه على مواقع التواصل الاجتماعي من هجمات وكلمات ضد الوطن وناسه، ليس هذا وحسب بل ما يحاك من افتراءات وأكاذيب القصد منها النيل من وحدة بلادنا ومحاولة التأثير في نسيجه الاجتماعي المتحد القوي.
أعتقد أن حروب اليوم باتت مختلفة تماماً عما كان سائداً ومعروفاً فيما مضى من المواجهة والعدو واضح أمامك. اليوم قد يكون الأعداء في كل مكان ويحاربونك دون سلاح ودون محاولة القتل، بل بطريقة أخرى أكثر غموضاً وضبابية، لذا تأتي أهمية الوعي بالمخاطر والتحديات التي تواجهنا.
وأعتبر أن قيم المواطنة وتعزيز الانتماء من أهم الوظائف التي يجب أن تضطلع بها عدة جهات في بلادنا، ويجب أن تأخذ على عاتقها تطوير برامج ومبادرات لا تتوقف ولا يكون لها وقت محدد، بل يجب أن تكون هذه القيم هاجساً دائماً ومتواصلاً في عقلية صانع الاستراتيجية، وتكون جزءاً من الهم العام الدائم، إن تعزيز الانتماء ليس برنامجاً عابراً ولا محاضرة هنا أو هناك بل هو ممارسة وتربية تبدأ منذ نعومة الأظفار مع الأجيال جيلاً وراء جيل، ننحتها في ضمائرهم الصغيرة وأفئدتهم البريئة حتى يشبوا ويكبروا وقد تغذوا بها وفهموها واستوعبوا درسها العظيم.
بهذه الطريقة سنكون قد وضعنا أعظم سياج بل أعظم سد أمام عواصف الحقد والكراهية، بل وضعنا حائطاً بالغ المتانة والقوة أمام متقلبات الزمن، وأمام كل التقنيات والتطورات التي يمكن أن تستغل بشكل مؤذ للنيل منا ومن بلادنا ونسيجنا الاجتماعي القوي.