يتهم النتاج الأنثوي في مجال الأدب العربي ولاسيما الروائي بالتكرار والنمطية، بسبب الإصرار على تقديم صورة المرأة البكاءة التي لا تنفك تعاني الصدمات العاطفية وتنشج آلام الحب والعشق والخيانة وتمعن في التبعية للرجل
وإذا كان جزء كبير من اللوم يقع على العقل الشرقي المكوّن وسطوة الرجل، فإن ذلك لا يمنع أن المرأة ملامة أيضاً في إعانتها له على التمسك بوجهة نظره تلك حيالها وتأكيد الكثير من مآخذه عليها، فمن المؤسف أن كثيراً من الأديبات العربيات قدمن أعمالاً تؤكد هذه النظرة فغطت سواها من إنتاج أنثوي إبداعي أطلق العنان للخيال وخرج من دوائر الشجن والألم والبكاء التي أُريد للمرأة أن تظل حبيستها، إنه نتاج موجود وبقوة ولكنه لم يحظ بنصيبه من الضوء الذي يسلط دائماً على نقيضه فيما يقصد به تأكيد نمطية الكتابة الأنثوية الشرقية.
التأطير والتبعية
قد يكون واقع النساء في العالم العربي الذي يؤطرهن في التبعية والخضوع للرجل السبب الرئيس لانغماس الروائية العربية في تقديم هذه الصورة فهي تتبنى قضايا بنات جنسها وتريد النهوض بهن من واقع لم ينصفهن وتحمل على عاتقها مسؤولية رفع الظلم عنهن، لكنه ليس مبرراً مقبولاً، فالأديب مطالب بالإبداع والذي لا يمكن أن يكون محدوداً أبداً بل أنه يفقد سمته الأساسية حين لا يمتلك الأجنحة التي تسمو به نحو فضاءات لم يتح للعقل تصورها من قبل، كما أن عليه الدخول في تفاصيل الواقع الغنية وإشكالاته المتعددة العميقة والمتنوعة وطرح أسئلة شائكة بعيداً عن منطق الأسود والأبيض، والجلاد والضحية، والذكورة والأنوثة، فالفن يكمن في مناطق الغموض والالتباس بين هذه الثنائيات الجاهزة والمتناقضة.
وحسب كثير من النقاد، يندر أن تكتب الروائية العربية رواية إلا وتتضمن إسقاطاً على واقعها، فهي تجسد نفسها في إحدى الشخصيات والتي غالباً ما تكون المحورية، وتروي تفاصيل مرت، وتبكي ألمها وظلمها وقصصها العاطفية- الفاشلة غالباً بسبب خيانة الرجل- وأكثر من ذلك نحا البعض منحى فضائحياًَ حين وجد تفاصيل مغرية في بعض الروايات تتعلق بالتجارب الجنسية، فاعتبر أن الكاتبات يصفن تجاربهن ليس إلا.
قد يكون في هذا التوجه شيء من الحقيقة، لكن التمسك به حكماً مطلقاً فيه تجن كبير على الإبداع لدى المرأة العربية، وانتقاص من قدرتها على التأليف والتخيل الذي يشكل أساس العمل الأدبي، وهي إذا كانت تأثرت بالسياق الاجتماعي إلى حد جعلها غالباً ما تسعى إلى تصويره في رواياتها فإنه أمر لا ينطبق عليها وحدها، بل إن الكاتب العربي يرزح تحت هذا التأثير بدوره، والصورة النمطية للمرأة تكررت في أعماله أيضاً، وأكثر من ذلك.
الحلول الأنثوية
 فإن المتمعن في قراءة الأدب النسوي العربي يكتشف أن الأديبة كانت تقدم هذه الصورة بالفعل لكنها تخلق حلولاً لواقعها تعبر من خلالها عن حلمها بمجتمع ينصف بنات جنسها، بالتالي فإن الإصرار على أن الروائية العربية لم تستطع أن تفلت من واقعها انتقاصاً من قدرتها الإبداعية وعجزها عن إطلاق العنان لأفق خيالها نحو عوالم أخرى، لأنه بمقابل من كرسن هذه النظرة هناك روائيات كثيرات كن بالمرصاد لها وقدمن أعمالاً بالغة الطموح كسرت الصورة النمطية للمرأة العربية.
وعلى سبيل المثال، في روايتها «أيام معه» ومنذ أكثر من أربعين سنة أطلقت كوليت خوري صيحات المقاومة لاستعباد المرأة حين كتبت عن أنثى شرقية تتمرد على سطوة المجتمع، وتمارس حضوراً اجتماعياً ثقافياً لافتاً، وتحب- وهي المسيحية رجلا مسلما- ولا يمنعها عنه انتماؤه الديني والقيود المجتمعية إنما خيانته لها وتعدد علاقاته، وهنا وإن كانت خوري بقيت في الإطار الكلاسيكي للأنثى المعذبة من خيانة الرجل لكنها استطاعت أن تحرر بطلتها في النهاية من عذاب الحب والانكسار للرجل، وليس خافياً أن رواية «أيام معه» هي سيرة ذاتية للكاتبة وقصة حبها مع الشاعر نزار قباني، ما يعني أن الإسقاط يقودنا إلى امرأة قوية انتصرت على ضعفها وكانت حرة في اختيارها والتعبير عنه صراحة فيما بعد ضمن عمل روائي.
ميول وأمزجة
مثال آخر، قدمته لينا هويان الحسن في روايتها الأحدث «نازك خانم» حين كتبت عن نساء هن عبارة عن خليط غريب من الطبائع البشرية، وتحديداً النسائيّة، ومن الميول والأمزجة والاتجاهات الدنيوية والروحيّة، لتخلق عالماً حياً يشبه الحقيقة، لا حد لما فيه من نزوات إنسانية متضاربة، فضلاً عن أن بطلة روايتها هي امرأة تكسر كل القيود، وتعلن الثورة في أجواء تجعلها عرضة لسيل من الشائعات التي تتحداها بفكرة أن”أهم ما يمكننا أن نفعله في هذه الحياة إشعال أقصى ما يمكننا من حرائق الحسد والغيرة والنقمة».. ، وبطلة رواية الحسن، امرأة معروفة من نساء دمشق في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، بالتالي ليست الرواية إسقاطا على حياة الحسن، لكن المؤكد أنها رغبتها في خلق عالم من النساء المتحديات والمتحررات بالمعنى الحقيقي للكلمة الذي يجعل من المرأة بطلة وليس منحلة أخلاقيا كما يحب البعض أن يصور معنى التحرر، وهي وإن أنهت روايتها بموت البطلة على يد متطرف عشقته، لكنها بذلك لم تجاف الواقعية وإنما أرادت القول: إن أصوات الحرية ستظل تؤرق أولئك الذين يخافونها فلا يجدون سبيلاً للهروب منها إلا بقتلها، وتلك ليست صورة لامرأة ضعيفة فنازك عاشت حرة وماتت كذلك، أما كمال الدين -قاتلها- فلم يستطع تقبل حريتها وكبلته طموحاتها، فإذا به يمثل الجزء الأضعف في الرواية.
القيود والمجتمع
الأمثلة كثيرة جداً والروائية العربية استطاعت في أعمالها الحديثة أن تفك قيود النمطية، وباتت على ملامسة جادة لمواضيع غاية الحساسية كالسياسة والدين والفلسفة والجنس، ولم يعد هاجسها ظلم الرجل والمجتمع، لنجد اليوم بين يدي القارئ نصوصاً متنوعة وعلى قدر عال من الغنى، وإذا كانت ليلى بعلبكي بروايتها (أنا أحيا) رسمت في الخمسينيات خطاً فاصلاً بين الرواية الأنثوية بشكلها التقليدي والرواية الحديثة الثائرة على النمطية فإن هدى بركات استطاعت أن ترسم بأعمالها انعطافا نوعيا الرواية النسائية العربية شكلا ومضمونا، ففي روايتها «حجر الضحك» لم تكن أسيرة ثنائية الرجل والمرأة ولا القهر والظلم والقيود المجتمعية، بل تمكنت بمهارة عالية تنطوي على حس فني راق وترميز ينم عن ذكاء وبراعة من تقديم بطل متفرد في شخصه ووضعه حملته وسط ظروف الحرب هموم المثقف وجعلت منه صورة للعجز وعدم مجاراة الواقع لتجعل قضيته الرئيسية قضيتها، فهو رجل مخصي يستهدفه حب الرجال الذين يراهم من خلال شهوة المرأة ويستهويهم فيبادرونه، وهو ما يعزله عن صحبه وأصدقائه ليفقد رجولته تماما وتحيق به الميوعة يوماً بعد يوم بسبب الحرب والأحداث المتفاقمة.
هناك جيل جديد من الروائيات العربيات وضع بصمة متميزة في عالم الأدب وتحرر من قيد الرجولة فكرا وكتابة ليعبر عن علاقة المرأة بالرجل بشكل مختلف، وهنا لا يغيب عن الذهن تأثير بيئة الكاتبة على إنتاجها الفني والأدبي فما كتبته الروائيات السعوديات مثل ليلى الجهني ورجاء عالم وأثير عبد اللـه النشمي عن العلاقة بالرجل لا ينساق على واقع المرأة وعلاقاتها في أعمال روائيات سوريات ولا على الروائيات اللبنانيات أو المصريات أم الفلسطينيات اللواتي من أمثال سحر خليفة التي أبدعت في تقديم نموذج المرأة المناضلة والمتحررة والمضحية في أعمالها، وكل كاتبة محكومة من موقعها بمنظومة فكرية ودينية واجتماعية وسياسية مختلفة، تتفاوت فيها سلطة الرجل وتأثيره، فضلا عن القدرة المتميزة لكل كاتبة في الخروج من شرنقة تلك المنظومات والتحليق والإبداع بعيداً عنها.
إذا كانت الروائية العربية مطالبة -حالها حال الأديب- بالتعبير عن واقعها والخوض في تفاصيله طلبا لتسليط الضوء على همومه ومشكلاته، وإذا كانت بشكل أو بآخر حاملة لهموم جنسها ويؤلمها واقعه في منظومة فكرية شرقية لا تزال تخيفها بشكل أو بآخر المرأة المتحررة المستقلة والقوية، فإن ذلك لا يعني الدوران في حلقات فارغة من النمطية والتكرار بل إنها فرصة للابتكار والتجديد، لتثبت أحقيتها بما تعتقد أنها أهل له، ولتنفض غبار التبعية والخوف عن عقل أنثوي خلاق هو أصل الطبيعة والحياة.