تمهيد :

لكي تكون وقائع هذه اللمحات التاريخية أكثر وضوحا داخل إطارها الزماني والمكاني وجدنا بداية أن ننقل للقاريء واحدة من أحداث ذلك الزمان مما له علاقة بالمرأة، لكي نتعرف على واقع المجتمع آنذاك والأعراف السائدة فيه :
(بناءا على الطلب السلطاني الصادر عن دار الخلافة الإسلامية في إستنبول عام 1904 أراد والي بغداد عبد الوهاب باشا أن يشمل النساء في عملية الإحصاء السكاني، ومنح كل واحدة منهن تذكرة عثمانية (هوية أحوال مدنية) إسوة بالرجال.  ولما شاع الأمر بين أهالي بغداد قامت قيامتهم لما يحتفظون به من تقاليد موروثة وعادات عربية معروفة معتبرين هذا الأمر الذي أقدم عليه الوالي يمس شرفهم ويحط من قدرهم وكرامتهم. فخرج الرجال من أهالي باب الشيخ والصدرية ورأس الساقية وفضوة عرب وبني سعيد والفضل ومناطق الكرخ يتقدمهم السيد أحمد أفندي النقيب ومعه رؤساء المحلات معلنين السخط والإستياء، تتقدمهم الأبواق والطبول والدمامات، مسلحين بالبنادق والمسدسات والسيوف والخناجر والقامات والهراوات، مع أهازيج شعبية وهوسات بغدادية، ليصطدموا مع الجندرمة قبل أن يقصدوا سراي الوالي الذي لم يخرجوا منه إلا بعد أن قرر تراجعه عن أمر التسجيل، فرجع الجميع يهتفون ويتغنون بتقاليد العرب المتوارثة).
أمدتنا هذه الرواية بصورة واقعية عما كان عليه مجتمع بغداد آنذاك، وعلينا أن نتصوّر الآن جسامة الأمر وخطورته بالنسبة لناشطي حركة التحديث ودعاة تحرير المرأة.
إن كفاح المرأة في العراق هو جزء من مسيرة تاريخية طويلة قطعتها المرأة في معظم بلدان العالم من أجل مناهضة التمييز الإجتماعي ضدها، فقد حفظت لنا الكتب والوثائق والمكاتبات والسير الذاتية لمؤرخين وسياسيين وأعلام فكر عراقيين العديد من القصص والوقائع التي أرخت لتاريخ الحركة النهضوية التي قادها المتنورون العراقيون لدعم عصبة من النساء العراقيات من أجل نيل حقوقهن المستلبة والتحرر من القيود التي فرضها الجهل الذي كان ينخر بجسد الأمة العراقية.
سوف نستعرض في بحثنا هذا بعض من فصول ذلك الصراع التاريخي الطويل وذلك الكفاح المرير الذي إمتد لأكثر من خمسين عام منذ طلائع القرن العشرين، بين دعاة التجديد وتحرير المجتمع من براثن التخلف لكي يواكب العصر الإنساني المتحضر، وبين المتعصبين وغلاة الداعين الى إبقائنا وإبقائها (أي المرأة موضوعة البحث) في العصور المظلمة، صراع تمكنت فيه قوى التحرّر والتحضّر والمدنّية من تحقيق الكثير من أهدافها، قبل أن تتوقف عجلة الزمن مرة أخرى وتهزم المدينة والمدنية بعد العام 1968، إثر إستيلاء زعيم ذو نزعات فاشية ويحمل قيم بدوية متخلفة على مقدرات بلد متحضر، ليدخل العراق مرة أخرى في سبات مظلم ولتدور – منذ ذلك الوقت والى اليوم - عجلات كل المفاصل الإجتماعية الى الوراء.
وحده التاريخ هو الفيصل ووحده من يسجل في صفحاته عِظم الأسماء التي تقف بوجه الظلامية والعفن الفكري والتخلف والجهل، برغم كل الظروف المساعدة على إبقاء تلك العلل الإجتماعية والأمراض الذهنية التي تحقق مأربا وقتيا هنا أو مأربا وقتيا هناك، ذلك أن ساحة العصر الإنساني الحديث لم تعد تتسع بعد الآن لمثل هذه الظلاميات.
* * * *
سنعود في عرضنا التاريخي البسيط هذا الى مطلع القرن الماضي لنقف على بدايات ذلك الصراع، بين التخلف والتحضّر، والجهل والتنوّر، والعبودية والتحرّر، لنقف على أهم الوقائع التي أشرّت لموضوع تحرير المرأة ومنحها الحقوق الإنسانية.
بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى وهزيمة الإستخلاف العثماني – الملقب آنذاك بالرجل المريض – على يد الإستعمار البريطاني!!، وفي وسط حراك سياسي وإجتماعي غير مسبوق بأكثر من إتجاه، بدأت قوى شبابية تنويرية متأثرة بالتطور والتقدم الذي أصابه العالم المتحضر بالتطلع الى خلع رداء الإنحطاط والتخلف الذي كان المجتمع العراقي قد إبتلى بهما على مدى قرون غير قليلة، ولما كانت المرأة هي أبرز وأوضح ملامح ذلك التخلف، فكان من الطبيعي أن تشكل موضوعة حقوقها محورا مهما في أنشطتهم.  
عندما أعلن الدستور العثماني في تموز 1908 وأقيمت المهرجانات إحتفالا بهذه المناسبة خيّل للشاب الأستاذ في مدرسة الحقوق جميل صدقي الزهاوي إن الفرصة مؤاتية ليطلق أفكاره التحررية فنشر في جريدة المؤيد المصرية وتحت إسم مستعار مقالته الشهيرة حول ضرورة تحرير المرأة من عبوديتها، داعيا المحاكم الشرعية الى منحها حقوقها إسوة بالرجل مستشهدا بالآية القرآنية الكريمة (ولهن مثل الذي عليهن)، وما إن وصلت هذه الجريدة الى بغداد وإطلع عليها الأهالي حتى ماجت الأرض بأهلها، ولم نعرف من وشى بأسم الكاتب الحقيقي، ليتعرض الى ما تعرض إليه الزهاوي من إعتداء وهجوم عنيف من قبل خصومه ما دفع بـ (ناظم باشا) والي بغداد أيامئذ الى فصله من وظيفته تحت ضغط الجماعات المتشددة على الرغم من تراجع الزهاوي وإنكاره لتلك المقالة بعد إهدار دمه).
يصف المؤرخ خيري العمري حال المرأة في العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين بقوله (كانت المنطقة غارقة في سبات عميق من الجهل، منكمشة على أعراف بدوية وقيم إجتماعية لا تكاد تعطي للمرأة أية قيمة إنسانية، بل كانت المرأة تعيش على هامش الحياة وراء جدران عالية من التقاليد وحواجز مرتفعة من العادات البالية، لا يسمح لها أن تطل على العالم إلا من خلال ثقب بباب أو برقع ونقاب، بل كانت المرأة (عورة) يجب أن تستر بستار كثيف من عبائتين وعلى الرجال أن يتحاشوا الإشارة إليها في مجالسهم خوف الفضيحة وخشية العار).
(كان عالم النساء في ذلك الزمان عالما مستقلا إستقلالا تاما عن عالم الرجال، كانت الحدائق العامة ولاحقا دور السينما والنوادي تحدد أياما معينة وأوقات خاصة للنساء مراعية في ذلك إسلوب الفصل الإجتماعي الذي كان متبعا، بل حتى البيوت كانت مقسمة بين ما يسمى بـ (الحَرَمْ) وهو مخصص للنساء وبين الديوان خانة وهي المخصصة للرجال).
كانت الدعوة الى السفور جزءا من مطالب إصلاحية عديدة كان دعاة النهضة والتجديد قد تبنوها دفاعا عن حقوق المرأة، وبرغم كل ما لاقته هذه الدعوات من مقاومة عنيفة لم يتمكن المتعصبون من وقفها، إذ سرعان ما تطورت الأوضاع الدولية والإجتماعية وزال نفوذ الخلافة العثمانية وإزدادت صلة العراق بالعالم الخارجي بحكم تطور وسائل الإتصالات والمواصلات.
في شباط عام 1922 أقام المعهد العلمي ببغداد مهرجانا شعريا عرف بأسم سوق عكاظ ورأى بعض منظميه أن تساهم الفتاة العراقية فيه، فعارض ذلك بشدة رجل الدين المعمم عبد الرحمن الكيلاني النقيب رئيس الوزراء آنذاك لاسيما وإن الفتاة التي وقع الإختيار عليها هي حفيدة الشيخ أحمد الداود الذي درس على يده الأحاديث وأصول الفقه، فثارت ثائرة المتشدّدين ونظموا حملة للتنديد بالمعهد وهدر دماء القائمين عليه.
لعل حادث الإعتداء الذي كاد أن يتعرض له الشاعر معروف الرصافي في آذار من العام نفسه خير ما يعكس سطوة القوى المحافظة، ففي حفلة تمثيل قدمت على مسرح سينما (رويال) هاجم الرصافي المحافظين والمتعصبين هجوما عنيفا في معرض دفاعه عن حقوق المرأة بقصيدة طويلة من أبياتها :
لقد غمـطوا حق النسـاء فشــدّدوا           عليـهن في حَسَـبٍ وطول ثواءِ
ألم تَرَهُمْ أمســـوا عبيـداٌ لأنـــهم           على الذلِّ شبّوا في جحورِ إماءِ
أقول لأهل الشـــــرق قولَ مؤنبٍ          وإن كان قولي مُسْخِط السـفهاءِ
(وأقبحُ جهلٍ في بني الشرق إنهمُ            يُسـمون أهلَ الجهلِ بالعلماء)

وراحت جريدة دجلة تنظم حملة عنيفة ضد الرصافي وقام رجال الدين برفع المضابط وإصدار الفتاوى بتكفيره إلا إن الرصافي كان أوفر حظاً من الزهاوي إذ هَبّ أنصار التجديد الذين إزداد عددهم الآن الى نصرته ومعاضدته، لما لهم من الجرأة ما خفـف من وقع موجة التأليب ضده، رافق ذلك نشر الصحف للعديد من المقالات المطالبة بتعليم المرأة ورفع الغبنِ عنها.
يروي أحد أبرز المدافعين عن حقوق المرأة العربية المفكر اللبناني (محمد جميل بيهم) في كتابه فتاة الشرق، أنه زار بغداد عام 1923 فكلفه منتدى التهذيب إلقاء محاضرة عن حقوق المرأة، يقول (بيهم): وما إن شاع الخبر حتى خفَّ لزيارتي السياسي (ثابت عبد النور) ناصحا أن أتراجع عن ذلك خشية إغتيالي فلم أبالي بذلك وأصررت على إلقائها, فكانت محاضرة ناجحة ولاسيما أن حضور السيدات كان كبيرا، برغم الحظر الذي فرض عليهن.
بدأت الحركات النهضوية الداعية الى الثورة على الجهل والتخلف تنمو في العراق حاملة راية التحرر وداعية الى اللحاق بركب التطور الذي غزا العالم، وكان لابد للمرأة العراقية من أن تتأثر بتلك الدعوات سياسية كانت أم إجتماعية، فكانت المرأة حاضرة مع أول ظهور لحركات التحرر في العراق التي حمل لوائها السياسي اليساري الرائد (حسين الرحال)، فمضت تتحمل مسؤوليتها الوطنية للدفاع عن الحقوق الإنسانية لمجتمعها بأكمله، قبل أن تبدأ المناداة بحقوقها وحرياتها أو تعمد الى تشكيل جمعيات نسائية خاصة بها أو منظمات مدنية تعنى بشؤون الأسرة، كما تمكنت المرأة العراقية في العام 1923 من إصدار عدد من المجلات النسائية أبرزها مجلة (ليلى) التي رأست تحريرها (بولينا حسون) إحدى زعيمات النهضة النسوية العراقية.
(ملاحظة مهمة : كل إشارة للحجاب سترد في هذا البحث هي ليست بالضرورة إشارة لإرتباطاته العقائدية، بل في رمزيته, فعندما سنتحدث عن دعوات التحرر ضد النقاب والحجاب مطلع القرن الماضي فهي في رمزية ذلك النقاب، العنوان الذي يندرج تحت سواده كل تفاصيل العبودية والتمييز ضد المرأة).
إشتدت معركة السفور والحجاب وأصبحت أكثر ضراوة بعد حفل إستقبال ولي العهد الأمير غازي بمناسبة عودته من دراسته في لندن، فقد شاركت في ذلك الإحتفال مدارس بغداد، وكان من بينها لأول مرة طالبات ثانوية البارودية للبنات، تتقدمهن مديرة المدرسة الآنسة (معزز برتو)، فأقامت الأوساط المحافظة الدنيا ولم تقعدها وعلى رأسهم رجل الدين المتشدد (محمد بهجت الأثري), الذي كان الرصافي يلقبه (ببوليس السماء)، لكثرة الفتاوى التي كان يصدرها في كل صغيرة وكبيرة، ومعه رشيد عالي الكيلاني وسلمان الشواف وتوفيق الفكيكي والشاعر الشعبي الملا عبود الكرخي وآخرون، كما عهد داود العجيل رئاسة تحرير جريدته (البدائع) الى بهجت الأثري خصيصا لمواجهة المجدّدين، فإنبرت هذه تهاجم مديرة المدرسة وتعتبر العمل الذي أقدمت عليه خروجا على الفضيلة وتمردا على الآداب، وقال الأثري موجها خطابا نابي اللهجة الى دعاة تحرر المرأة :
(ألقوا حَبلَ نسائكم على غاربهن، ودعوهن سافرات ودعونا نفعل بهن ما نشاء، إن شئنا قتلهنّ أو إردنا وأدهنّ فلستم علينا بمسيطرين) !!.
فسارع الثائر المخضرم حسين الرحال الى الرد عليهم بجرأة وعنف ومعه عصبة من الشباب كالأديب مصطفى علي ومحمود أحمد السيد وسامي شوكت وعوني بكر صدقي ومحمد سليم فتاح، كما إنضمت جريدة العراق التي يتولى تحريرها رزوق غنام وروفائيل بطي الى جانب دعاة التحرر الآخرين، فكتب فيها سامي شوكت مقال جاء فيه : (إن المطالبين ببقاء تستر المرأة وأسرها يكون طلبهم منطقيا أكثر لو طلبوا إلغاء التعليم ورفع التهذيب والإبقاء على الحالة الهمجية للمجتمع).
كما كتبت إحدى سيدات بغداد مقالها تحت إسم مستعار (فتاة غسان) متهكمة من دعاة الحجاب قائلة : (يقول هؤلاء المستبدون إن البرقع والحجاب ليس معناه أسر المرأة، فأرجو من الرجال أن يجربوا ولو لإسبوع لبس البوشي والعبائتين)!! .
هناك حقيقة تاريخية فيها من الأهمية ما يدعونا الى الإشارة إليها، فقد جرت العادة لدى الكثير منا – كما هو الحال اليوم – الى التشكيك بدعوات التحرر والتجديد، وتوصيفها وتصنيفها بـ (مؤامرة) تستهدفنا، على وفق ما أصطلح عليه في القاموس السياسي بنظرية المؤامرة، أي إن كل دعوات التطور والتحرر ما هي إلا إستهداف لتراثنا وعروبتنا وديننا الإسلامي الحنيف، لكن الغرابة كل الغرابة أن نجد هنا أن المتشدّدين والمتعصّبين يستشهدون في معرض تصديهم لدعوات التحرر بالمسيحيين واليهود كمثال على الإلتزام بالحجاب والتقاليد المحافظة، فها هو (جميل المدرس) أحد أشد المناوئين للسفور كتب يقول:
(خذو العبرة من النصارى واليهود، هل نجد في مدارسهم الأناثية فرقٌ كشفية أناثية كما في مدارسنا، إن البنت اليهودية العراقية لا تسدل على وجهها نقابا خفيفا كالذي تلبسه اليوم أكثر البنات المسلمات المتبرجات، بل نقابا أخشن وأثخن)!!.
في 23/11/1924 وبينما هذه المعارك قائمة في الأندية والمحافل، وأخبارها وأحاديثها تدور في المقاهي والمجالس، إذا بنادٍ جديد يفتتح بإسم (نادي النهضة النسائية) تألفت هيئته الإدارية من (أسماء الزهاوي) شقيقة الشاعر جميل صدقي الزهاوي ونعيمة السعيد وماري عبد المسيح وفخرية العسكري زوجة الوزير جعفر العسكري)، فسارعت جريدة العراق الى الترحيب به معتبرة إفتتاح النادي إنتصارا لحرية المرأة.
إزدادت المعارك حدة بين أنصار التجديد وبين المحافظين المتشددين وأقبل الناس على الصحف التي أصبحت الآن ساحٍ لها، ووصلت المشادات الكلامية في أحيان كثيرة الى الإشتباك بالأيدي، ناهيك عن الشتائم وإطلاق النعوت والألقاب والصفات المزرية على المجددين.
وعندما أخذ دعاة تحرير المرأة ينادون على صفحات جريدة العراق بإلغاء المحاكم الشرعية وسن قانون مدني جديد ينظم الأحوال الشخصية على قواعد تساير العصر، طار صواب المحافظين لهذه المبادرة الجريئة وأخذوا يطاردون دعاة التجديد، تارة بالتهديد بالقتل وطورا بالإرهاب، فأضطر عدد من أنصارهم الى اللجوء للقضاء طالبين حمايتهم من المحافظين.
صار الملك فيصل الأول وديواني مجلس الوزراء ووزارة الداخلية يستقبلون يوميا وفودا لا تنقطع من المحافظين، ويصغون الى إحتجاجاتهم ويستلمون منهم المضابط التي تحث الحكومة على (تأديب) المجددين بحسب قولهم، فأوعزت مديرية المطبوعات التابعة لوزارة الداخلية الى الصحف بالكف عن نشر المقالات التي تدعو الى التحرر والسفور، إلا إن تلك الإجراءات لم تمنع حسين الرحال من إصدار مجلة (الصحيفة) التي إستطاعت أن تهز الأوساط المحافظة وتزعزع القيم القديمة السائدة.
فقد عكست المجلة في أعمدتها اليومية أحدث الآراء في التاريخ والأدب والنظريات السياسية والإقتصاد وعلى صفحاتها تتبع الجمهور العراقي نهضة المرأة التركية والإيرانية واللبنانية والمصرية، ومن تلك المقالات نقتطف هذا المقطع للكاتب محمود أحمد السيد الذي يقول فيه :
(سنواصل مسيرتنا في سبيل الحرية الفكرية والحق والمثل العليا .. نحن أقوياء بأنفسنا أقوياء بأقلامنا، سنكشف قناع الرياء عن ميراث العصور المظلمة وسنزهق الباطل ونسحقه سحقا ونرفع للمرأة راية التعليم والتحرر الإجتماعي، وذلكم واجبنا الأكبر) !.
كان لهذه المجلة أثرها الكبير في تنبيه أذهان الناس وتثقيفهم والتمهيد لخلق مفاهيم حضارية جديدة، فنشط المجددون بشكل واضح، وإنضمت إليهم أسماء جديدة من المؤثرين مثل طالب مشتاق وكامل السامرائي وعبد الحميد رفعت وشاكر الأوقاتي وساطع الحصري ومحمد بسيم اذويب وغيرهم الكثير.
لكن المحطة الأهم في تاريخ نهضة المرأة العربية عموما والعراقية خصوصا هي إنبثاق مؤتمرات خاصة بالمرأة، ويعزى ذلك للنشاط المميز الذي تبناه المفكر اللبناني (محمد جميل بيهم) ضمن مساعيه الحثيثة للدفاع عن حقوق المرأة العربية، فتلقت زعيمة النهضة النسوية العراقية (أسماء الزهاوي) رئيسة نادي النهضة رسالة من السيدة اللبنانية نور حمادة رئيسة المجمع النسائي العربي بداية آذار 1929 تدعو فيها المرأة العراقية للتشاور من أجل عقد أول مؤتمر نسوي عربي، وقد دعتْ  الزهاوي في ضوء ذلك عضوات نادي النهضة للإجتماع والمداولة في موضوع المؤتمر فضم الإجتماع بالإضافة الى عضوات النادي عدد كبير من السيدات الناشطات ومما قالته الزهاوي في الإجتماع (إن إجتماعنا هذا لهو دليل على أن الحركة النسوية المباركة في العراق صادقة لا يثبط عزيمة القائمات عليها معارضة الفئة الرجعية، إننا نسير في ظلمات التعصّب المخيّم على ربوع الرافدين ولكن الصبح آتٍ عن قريب وسنراه بعيوننا، صبحاً يفيض نوره على الربى والبطاح). كما إشتكت الزهاوي من عجز الحكومة عن مساعدتهن ضد القوى المتعصبة التي تصول وتجول وتهدد وتتوعد، معيبة عليها (أي الحكومة) الوقوف على الحياد في هذا الصراع الإجتماعي الصعب, وهو ما أرهب بالتالي النادي وأعجزه عن تسمية إمرأة عراقية واحدة لتمثيل العراق في هذا المؤتمر المنتظر (الذي تمنته نور حمادة أن يعقد ببغداد)، فإكتفى النادي بإرسال كلمة ألقيت بالنيابة عنه في أول مؤتمر نسوي عربي والذي عقد في العاصمة المصرية القاهرة.
إتسعت رقعة المؤيدين للتجديد والداعين الى إعطاء المرأة حقوقها وإزدادوا ثقة بأنفسهم، ومال إليهم رؤوف الجادرجي أستاذ القانون الدولي وحكمت سليمان أستاذ المالية وتوفيق السويدي أستاذ القانون الروماني، وأصبحت الصحف تنشر لهم كل يوم العديد من المقالات والقصائد المحرضة والمدافعة عن المرأة ومن بينها تلك القصيدة الشهيرة لجميل صدقي الزهاوي الذي أصبح في هذا الوقت شاعراً معروفاً والتي مطلعها :
أسفري فالحجاب يا إبنة فهرٍ      هو داءٌ في الإجتماع وخيمُ
كل شيء الى التجــدد ماضٍ      فلماذا يُقــــــــــرّ هذا القديمُ
لم يطل العام 1930 حتى ظهرت أصوات نسائية بأسمائها الصريحة تدعو الى منح المرأة حقوقها وتلمح علانية الى تحررها وضرورة إفساح المجال أمامها للدخول الى معترك الحياة فأرتفع صوت (رفعة الخطيب) يناقش الشريعة الإسلامية ما إذا كانت منعت السفور أم لا، وصوت الآنسة أمينة الرحال (شقيقة الثائر حسين الرحال) تدعو الى ضرورة إستقلال المرأة إستقلالا إقتصاديا.
وعندما دُعي العراق للمشاركة في المؤتمر النسوي الثاني الذي أتفق على إنعقاده في العاصمة السورية دمشق في تموز من ذلك العام، بذل السياسي المعتدل ثابت عبد النور جهودا كبيرة من أجل إقناع الحكومة بضرورة مشاركة المرأة العراقية في هذا المؤتمر حتى لا يظهر العراق امام دول المنطقة كبلدا متخلف لا يراعي تطورات العصر، فكان إن رشحت الحكومة الآنسة أمينة الرحال (والتي لم تزل طالبة في معهد المعلمات) ومعها الآنسة جميلة الجبوري لتمثيل العراق، فكان لكلمة العراق التي ألقتها أمينة الرحال صدى مميزا في أوساط المؤتمر.
لكن الحدث الأبرز والأهم الذي قطف المتحررون فيه ثمار كفاحهم هو إنعقاد مؤتمر المرأة العربية الثالث في تشرين الثاني من العام 1932 وهو أول مؤتمر للمرأة في تاريخ العراق، ما عزز إتصال حركة المرأة العراقية بمثيلاتها في الدول الأخرى، وكان إنعقاد مثل هذا المؤتمر سببا كافيا لإثارة الرأي العام المتابع، فإمتلأت صحف بغداد بمقالات مؤيدة ومهنئة ومستبشرة بهذا التطور الإيجابي الذي سيحفز المرأة على التقدم بخطوات أكثر جرأة نحو مطالباتها الإنسانية، تقابلها عناوين ومقالات أخرى تعنف وتهدد وتحمّل الدولة مسؤولية هذه الإنحدار (والسقوط الإخلاقي!!) لسماحها بقيام مثل هذه (الفضائح)، بل أفتى بعض كتابها من أن ما يجرى هو إحدى علامات قيام الساعة !!. 
تعددت المجلات المتخصصة بعالم المرأة والأسرة العراقية عموما، ومن بين تلك المجلات مجلة (تحرير المرأة) التي صدرت في العام 1946 والتي جاء في إفتتاحية العدد الأول (واجبنا اليوم هو التخفيف من قيود العادات التي أسِرت المرأة، اننا نعتقد ان حرية المجتمع وحدة واحدة لا تتجزأ وإن قضية المرأة لا تنفصل عن القضية العامة).
كل ذلك بدا مرافقا للتطور الذي راح يظهر على العديد من تفاصيل الحياة اليومية للمجتمع العراقي، فراحت الهوة التي كانت تفصل عالم المرأة عن عالم الرجل تضيق رويدا رويدا، ففي أربعينيات ذلك القرن بدأت المرأة ترتاد النوادي ودور السينما والحدائق العامة بصحبة الرجل، بل أصبحت المرأة العراقية مشاركة في الأنشطة الثقافية والأدبية ومتذوقة لكل أنواع الفنون الموسيقية والمسرحية والتشكيلية، وأنقل هنا مقطع من المذكرات اليومية للفنان التشكيلي العراقي الرائد (جواد سليم) وفيه صورة لما كانت عليه المرأة العراقية آنذاك، متمنياً على عراقيي اليوم أن يقارنوا بين ذلك الأمس البعيد المشرق وبين حاضرهم المتهرئ المشوه منذ أكثر من ثلاث عقود، يقول سليم في يوميته المؤرخة في 13 آب 1946 :
(أفتتح اليوم معرضي التشكيلي الشخصي، وكان الحضور كثيفا جدا وبالمئات فإضطررت نتيجة الزحام الى تخصيص الفترة الصباحية للعوائل والفترة المسائية للرجال، كنت أجلس على مقعدي متطلعا الى وجوه نساء بغداد، الى طريقتهن في السير وفي مسك العباءة وقد تركن قسما من شعورهن على الجباه والى العيون المكحلات بغزارة والى فساتينهن المليئة بالورود الملونة والى ضفائر الشابات الصغيرات وتنانيرهن القصار!!).
أكرر ، كان هذا في آب 1946، (معرض تشكيلي تزوره العوائل بالمئات !!).
إن التطور اللاحق الذي سيلفت النظر إليه هو دخول المرأة المعترك السياسي بل وستأخذ مواقع مؤثرة فيها وتسطر مآثر حفظتها ذاكرة التاريخ العراقي الحديث، فعلى ىسبيل المثال ضم الحزب الشيوعي العراقي (المحظور آنذاك) في خلاياه نساء من مختلف الأعمار والدرجات الوظيفية والمستويات الثقافية والإجتماعية، فكن يحضرن الإجتماعات السرية ويؤدين الواجبات الحزبية مع ما يكتنف ذلك من مخاطر غير محمودة، بل ويشتركن في التظاهرات والإعتصامات.
فها هي (عدوية الفلكي) الشابة العراقية بنت التاسعة عشر تتقدم أعتى وأشهر إنتفاضة في تاريخ العراق السياسي على الإطلاق ما عرفت بعد ذلك بـ (وثبة كانون).
كانت هذه الإنتفاضة العارمة الخالدة قد تجمعت من مختلف أنحاء الرصافة في الساحة التي تعرف اليوم بساحة (الرصافي) قاصدة عبور الجسر، فيما كانت قوات الشرطة بجانب الكرخ قد نصبت أسلحتها الرشاشة فوق سطوح الجامع والمباني المطلة على الساحة (حاليا ساحة الشهداء) تنتظر وصولها، حتى إذا ما إجتازت التظاهرة منتصف الجسر إنهمر عليها رصاص الأسلحة الكثيف من ثلاثة جوانب فراح المتظاهرون يتساقطون قتلى وجرحى (400 ضحية ومئات الجرحى حسب بيانات الشرطة)، كانت (عدوية) هذه في مقدمة التظاهرة ترفع مع زميل لها أحدى اللافتات وعندما أردى الرصاص زميلها قتيلا لم تخف ولم تثبط عزيمتها ولم تتراجع بل أصرت على حمل تلك اللافتة وحدها هذه المرة متجاهلة نيران الأسلحة المدوية لتعبر ذلك الجسر لوحدها، (الجسر والساحة اللذان حملا فيما بعد أسم – الشهداء -  تيمنا بهذه الواقعة الوطنية الخالدة أو المجزرة البشرية المروعة).
 في العام 1952 تمكنت عصبة من النساء الناشطات أمثال نزيهة الدليمي وسافرة جميل حافظ (وجميعهن ينتمين الى الطبقة الوسطى المحافظة) من تشكيل أكبر وأنشط منظمة نسوية عراقية تحت أسم (رابطة الدفاع عن حقوق المرأة)، ويبدو أن إرتباطها بالحزب الشيوعي المحظور جعلها تختار العمل السري، لكن ما يميزها هو أن أغلب عضواتها من شرائح إجتماعية مختلفة، ففي حين كان نشاط الجمعيات حتى ذلك الوقت مقتصرا على الطبقة البرجوازية، فإن هذه المنظمة توسعت وتمكنت من ضم أعداد هائلة من النساء في أغلب المدن والقرى العراقية ممن ينتمين للطبقات الوسطى والفقيرة، ولعبت دورا فاعلا في التظاهرات التي شهدها العراق عامي (1952 و 1956)، ما أدى الى إعتقال عدد من عضواتها، وهو ما يحدث للمرة الأولى في تاريخ الحكومات العراقية حتى ذلك الحين، وعندما شكلت الأحزاب السياسية المعارضة ما عرف بـ (جبهة الإتحاد الوطني) في العام 1957 كانت هذه الرابطة إحدى تشكيلاتها.
مضت السنوات والمرأة تزداد ثقة بنفسها لتنتزع ثوب التخلف والتبعية والإنكفاء على الذات، ففي تلك الخمسينيات إمتلأت القطاعات العلمية والثقافية والأدبية والفنية بأسماء عراقيات مبدعات تركن بصمات واضحة في تاريخ الأدب والفن والسياسة والعلوم، كما عم الإختلاط بين الجنسين في معظم الكليات والمعاهد الدراسية.
ومع سيطرة الجمهوريين على الحكم عام 1958، وصل عدد عضوات رابطة المرأة العراقية (وكان هذا هو أسمها الجديد) الى أكثر من 40 ألف عضوة، ونجحت من تحقيق أهم الأهداف التي كافحت المرأة العراقية من أجلها طويلا، فبعد أقل من عام أصدرت الدولة العراقية القانون رقم 188 وهو أول قانون مدني ينظم الأحوال الشخصية ليس في العراق وحسب بل وفي منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي.
إن المتتبع للمشهد العراقي خلال عقد الستينيات يلمس بكل سهولة مديات الإنعتاق والتحرر الذي وصلت إليه المرأة العراقية سياسيا وثقافيا وتعليميا وفنيا والأهم من ذلك إجتماعيا. ففي مطلع هذا العقد عينت (نزيهة الدليمي) وزيرة في الحكومة لتكون أول إمرأة تتبوأ هذا المنصب في تاريخ الحكومات العراقية والعربية، وهو ما دفع ببقايا القوى الظلامية وما يعرف باليمين السياسي الى تأليب شارعهم ضد هذه الخطوة، بل وأطلقوا الأهازيج السوقية للنيل منها والتي ظلت الذاكرة الشعبية تتذكرها على الدوام.
ولكن, برغم رعونة هؤلاء وبذاءاتهم, كان هذا العقد عقدا حضارياً مميزا في تاريخ العراق، مازال الليبراليون والمتنورون العراقيون يتذكروه بمزيد من الإعتزاز أحيانا، وأحيانا بمزيد من الألم والأسى والأسف لفقدان إنجازاته، برغم الشهور التسعة السوداء من العام 1963 عندما نهب البعثيون السلطة للمرة الأولى، وما تعرض له العراقيون – والمرأة من ضمنهم – الى واحدة من أفضع مجازرهم، حيث حوّلت ميليشيا الحرس القومي الفاشي ملاعب الكشافة والكرخ الى سجون للنساء الناشطات، وعندما نعرف أن عدد عضوات رابطة المرأة العراقية قد إقترب حينها من الـ 50 ألف عضوة، فعلينا تصوّر عدد اللائي تعرضن للقتل أو الإعتقال والتعذيب والإغتصاب، وبينهن مئات المبدعات في حقول العلم والأدب والفن وغيرها، إضافة الى الفصل التعسفي من الوظائف الذي طال الآلاف من العاملين والعاملات في مجال التعليم وغيره، وهو ماجرى في عموم محافظات العراق.(1)
ومع صعود حزب البعث الى السلطة مرة أخرى عام 1968، بدأت الفئات الرجعية ومعها قيمها البدوية تزحف بإتجاه مراكز النفوذ وصنع القرار، ليبدأ العد التنازلي للواقع المضيء الذي حققه المجتمع عموما والمرأة خصوصا لعقود زمنية مضتْ.
أصبحت مشاهد، مثل تمزيق ثياب الفتيات وطلاء سيقانهن بالنفط الأسود من قبل مفارز محافظ بغداد المدعو خير الله طلفاح مألوفة بعد أشهر قليلة من بداية حكمهم، حتى إذا ما بلغنا عقد الثمانينيات وما تلاها كانت القيم الأعرابية الرجعية الهمجية هي السائدة سياسيا وإجتماعيا، وإنهزمت أمام مدّها العسكرتاري والبدوي قيم المدينة والمدنية، وتداعتْ وهوتْ الطبقة الوسطى تماما.
صار مألوفاً أن تسمع ألفاظا مثل (..............) أي المرأة خلقت للجنس والضرب، و(المرأة بقرة)، من قبل أوساط تلك السلطة، معتبرين أن إحترام المرأة يتعارض مع الرجولة والفحولة والقيم العربية (الأصيلة)، معدون ذلك نوع من الخنوع والأنثوية وهي صفات يتهمون بها رجال المدن.
نحن نتحدث الآن عن مجتمع تحوّل بمعظمه الى مجتمع ذكوري، وأخطر إفرازاته تداعي صفة الحياء والسلوك المديني الذي كان أحد أبرز الملامح المدنية للمدينة وتراجعه أمام إنتشار ظاهرة التحرش الجنسي, فلا يمكن لإمرأة أن تسير في الشارع دون أن تسمع هنا وهناك قاموس من الألفاظ البذيئة واللاأخلاقية، إضافة الى أصوات أبواق السيارات وهي تزمّر وراءها بالتتابع إذا ما هي سارت لوحدها على أرصفة المدينة وكأنها طريدة لا بد من أن تقع في شباك أحدهم، على الرغم من أن هذه الإمرأة قد أصبحت الآن ملتحفة بالحجاب والجلباب، لا إمرأة الستينيات ومطلع السبعينيات السافرة بأزيائها القصار تبعا للموضة السائدة آنذاك !!، وهذه – أيضاً - واحدة من المفارقات الغريبة والعجيبة في التحولات الإجتماعية التي طرأت على المجتمع العراقي.
يكفي أن نقف على التداعيات الإجتماعية والإقتصادية التي رافقت الحروب والحصار إبتداء من عام 1980 ولغاية سقوط ذلك النظام عام 2003، حتى نتعرف بسهولة على التركة الثقيلة والأمراض الإجتماعية المزمنة التي خلفتها العقود الفاشية الثلاث, التي ألقت بظلامها على كيان المرأة العراقية الضحية الأكبر لمطاحن الترويع والترهيب والقتل والإعتقال والملاحقة والتهجير والحروب والحصار والمجاعات، فهي من ثكلتْ بأبنائها أو أشقائها أو من ترمّلت أو من يُتمّتْ وهي بعدُ طفلة أو صبية قاصرة أو فتاة لازالت بحاجة الى الرعاية، كان عليها أن تعاني مرارة العيش تحت هيمنة قوى سلطوية وذكورية مزقت نسيج المجتمع، وبسطتْ عليه قيمها المتخلفة، فأصبح على المرأة أن تتحمّل كل تلك الأعباء، بل في حالات عديدة تحمّلت مسؤولية أعالة ذويها.
من المهم أن نـتذكر هنا أنّ نشاط الحركة النسوية العراقية قد منع تماما طوال حكم البعث، ورأى هذا الحزب أن يقتصر ذلك النشاط على المنظمة التي شكلها بعد عام من الإنقلاب ما عرف بـ (الإتحاد العام لنساء العراق)، والتي أدلجها النظام لتخدم أغراضه الفاشية ولتصبح بعد ذلك إحدى أدواته الرقابية، بل إحدى منابع الإفساد الإجتماعي والإمتاع الجنسي لرجالات السلطة، وهناك من الوثائق والمكاتبات التي عُثر عليها في أرشيف هذه المنظمة ما يبعث على الخجل والإزدراء، ويكشف وجه آخر من الوجوه المخزية لذلك النظام.
فعلى سبيل المثال لا الحصر تكشف إحدى تلك الوثائق عن طلب مرسل من نادي الضباط في اليرموك ببغداد الى رئيسة تلك المنظمة يطلبون فيه إرسال عدد من العضوات للسهر في النادي (لتلطيف) جو السهرة، ومن ثم المبيت مع العساكر لإمتاعهم.(2)
أما بعد سقوط النظام السابق عام 2003 فقد كسرت المرأة تلك القيود وغصّ العراق من شماله الى جنوبه بعدد من المنظمات النسوية لم تعرفه المنطقة من قبل، فقد بلغ متوسط عدد المنظمات والجمعيات النسوية في كل محافظة من محافظات العراق بما فيها العاصمة بغداد ما يزيد على خمس منظمات مستقلة، ناهيك عن الجمعيات والمكاتب النسوية التابعة للتنظيمات السياسية التي عجّ بها العراق، والأخيرة لا تعدو كونها واجهات شكلية دعائية، تعطي الآخرين إنطباعاً من أن ذلك الحزب يولي إهتماماً لحقوق المرأة التي يكثر الحديث عنها، أو (لزوم الشغل) كما عبر لي عن ذلك رئيس أحد هذه الأحزاب.
لكن علينا ألا نحسب من فضيلة أو فائدة لهذا العدد الهائل من التنظيمات النسوية (داخل الأحزاب أو خارجها)، بل على العكس فقد أضاعت في خضم تشتتها هذا؛ العديد من الإنجازات التي كان من الممكن الحصول عليها في حال إصطفافها ضمن تجمع مركزي واحد ذو أهداف محددة لا تخرج أو تبتعد عن دائرة حقوقها الإنسانية المستلبة، أو على أقل تقدير إيجاد قنوات إتصال فيما بينها وصولا الى نقاط إتفاق مشتركة حتى يكون لها موقعها ووقعها الضاغط والفاعل، ولو أتمت ذلك لكانت قد حققت من الإنجازات ما يعجز أي تنظيم جماهيري على تحقيقها.
إن إمرأة القرن الواحد والعشرين ــ وهذه من المفارقات الغريبة الأخرى ــ قد فقدت إنجازات حققتها إمرأة القرن العشرين قبل أكثر من خمسين عام !!.
وبرغم ما تحقق للمرأة من نصيب في السلطة التشريعية أقرته قوانين إدارة الدولة الحديثة – ما عرف بالكوتا – فقد وجدت المرأة العراقية نفسها من جديد بمواجهة قوى متخلفة هي إمتداد طبيعي للواقع الذي أوجده النظام السابق مع تيارات محافظة تعمدُ الى عزلها أو تحجيم دورها وخصوصا ما تعلق بأمور خطيرة للغاية مثل وضع دستور جديد للبلاد، فجاء هذا الدستور في النهاية مخيبا لآمال المرأة العراقية قبل أي قطاع مجتمعي آخر.
الملاحظة المؤسفة هنا أن معظم النساء اللائي يملأن مشهد الدولة الجديدة تحولن الى (سياسيات) إنغمسن في العمل الإداري للدولة وفي الصراعات السياسية ضمن الكتل الحزبية المتنافسة حالهن كحال الرجال، وإن آخر ما يفكرن به هو حقوقهن وحقوق بنات جنسهن !!، فنادرا ما نجد إمرأة بينهن من حملت على عاتقها مسؤولية الدفاع أو محاولة الحصول أو المحافظة على حقوق المرأة العراقية من الهدر والضياع وسط هذا الواقع الرسمي والمجتمعي المأزوم منذ ما يزيد على ثلاث عقود زمنية، وهذا الضج السياسي المستمر منذ ما يزيد على عقد من الزمن.
يرى العديد من المتخصصين إن الدستور العراقي الجديد تجاهل الحقوق الأساسية للمرأة العراقية، كتلك التي حصلت عليها قرينتها في بلدان العالم المتقدم، وإن إلغاء قانون الأحوال الشخصية 188 وإبداله بالمادة 41 من الدستور الجديد ما هو إلا (عودة الى عصر الحريم !!)، على حد وصف السيدة الحقوقية الناشطة فائزة باباخان، التي راجعت لها بحثا مفصلا عن هذا القانون عام 2005.
إختلفت الآراء كثيرا حول الدستور العراقي الجديد، لكن الحقيقة التي علينا الإعتراف بها، هي أن هذا الدستور جاء منسجما مع واقعنا الإجتماعي الحالي، فهو  إنعكاس طبيعي وحقيقي للواقع غير السليم الذي وصل إليه العراق، فالمجتمع العراقي يجني منذ سنوات ثمار الزرع الذي أنبتته الظروف اللاإنسانية والمتخلفة التي عاشها طوال العقود الأخيرة، فالتخلف والتعصب عادا ليطبعا مجتمع العراق بطابعهما.
في مقال جريء عنوانه (المرأة التي وَحدّتْ المسلمين) وصف الناشط أحمد عبد الحسين وادي (وهو من الأدباء والكتاب الليبراليين الشباب) من خلال مثالين إختارهما من مشاهد العنف اليومي ما آل إليه واقع المرأة العراقية، فهو يقول (أن القتلة المجهولون في مدينة (الدورة) كمثال لمن يدعون إنتمائهم أو تمثيلهم للطائفة السنية يلاحقون المرأة التي تقود السيارة أو التي ترتدي البنطال لتخطف أو تقتل، جريا وراء نسخ التجربة السعودية في هذا المضمار، مقابل القتلة المجهولون في مدينة الصدر ممن يدعون إنتمائهم أو تمثيلهم للطائفة الشيعية يلاحقون ويقتلون المرأة التي لا ترتدي الحجاب والجلباب لنسخ تجربة الحرس الثوري الإيراني)، ويضيف الكاتب (إن هذان الفريقان المجهولان يبطشان بعضهم ببعض بكل ضراوة، ولا يتفقان ولا يجتمعان إلا على أمر واحد يوحدهما، ذلك هو عدائهما العَسِفْ للمرأة وحقوقها وحريتها وكرامتها!!).
بقي أن نذكر إن هذا الكاتب المتمرد قد أهدر دمه هو الآخر نتيجة آرائه هذه – كما حصل قبل تسعين عام لزميليه الزهاوي والرصافي – فتوارى عن الأنظار لفترة زمنية، ثم تكرّر إختفاءه بعد ذلك لأكثر من مرة، لكأن التاريخ يعيد نفسه، ولكأننا ... عدنا الى بداية الصراع من أجل التحرّر والتحضرّ !!.
لعل واحدة من أهم المظاهر الإجتماعية التي يؤكدها التاريخ الإجتماعي هو أن المرأة كانت - وستظل دائما - الضحية الأولى والأكثر تضررا من أي شريحة إجتماعية أخرى إذا ما نابت البلدان حروب أو مجاعات أو كوارث، كذلك وجدنا أن المرأة تكاد تكون الضحية الوحيدة التي تدفع ثمن آفات التعصب والتخلف إذا ما أصابت مجتمعها.
إن التمييز ضد المرأة أو عدم المساواة بين المرأة والرجل ما هو إلا مفارقة أزلية منذ أن بدأ الوجود الإنساني على الأرض، ذلك أن مستلزمات الصراع من أجل البقاء ومتطلبات المنظومة البدائية للإنسان، بدءا بالعصور الحجرية وما تلاها كان عمادها القوة العضلية لا العقل، فشريعة الغاب التي حكمت المجتمعات البشرية في بدايتها أشاعت إستيلاء الطرف (العضلي) الذكوري على سلطة تلك المنظومات، وهو ما أدى لاحقا لبسط نفوذ الرجل وتحكمه بالطرف الآخر طوال العصور والدهور التالية، دون أن يكون هناك سببا علميا أو منطقيا يبرر هذا التمييز العنصري المشابه الى حد ما للأوضاع الحياتية التي تعيشها الحيوانات في الغابات والبراري !!.
لذلك ليس مصادفة أن تسلب حقوق المرأة في المجتمعات التي لازالت متناغمة مع القيم البدائية والمحكومة بشرائع الغاب، فمتى ما غاب العقل والعلم كانت البدائية حاضرة وشائعة وحاكمة، ولما كان كل ما هو مشاع مشروع بحسب توافقات المجتمع المتخلف، فإن هيمنة الجهل منح هذه الشرائع مشروعيتها بكل تأكيد، ونؤسس على ذلك إن لا حقوق ولا حرية للمرأة إذا لم يتحرر المجتمع والرجل أولا من الجهل والتخلف والبدائية.
لقد إكتشف المتخصصون بشؤون الحريات وحقوق إلإنسان، إن ليس مصادفة أن يكون إحترام الحقوق الإنسانية للمرأة يكاد يكون المعيار الوحيد لقياس تحضر الشعوب وتمدّنها، فلا العمران ولا التكنولوجيا ولا إرتفاع الميزانيات المالية للدول تؤشر الى تحضرها، وبإمكان المتابع أن يقارن – على سبيل المثال – بين أي بلد خليجي ثري جداً، وبين بلد أوربي فقير مثل اليونان أو أميركي مثل المكسيك على سبيل المثال، وأين يضعهما عندما نريد التحدث عن التحضر والمدنية.
 صار مألوفا - في زمن المفارقات والهزائم - أن نرى إمرأة الأمس التي تحررت من عبوديتها وعاشت إنسانيتها وجنتْ ثمار من سبقتها من المناضلات رائدات التحرر, مهزومة منذ ما يقرب من ثلاث عقود زمنية أمام أعراف وتقاليد البداوة التي غزت وأسقطت المدينة، بل نجدها اليوم – أي إمرأة الأمس - جزءا من أدوات التخلف والهمجية عندما تفرض على إبنتها، ما كانت هي قد تحررت منه قبل تلك العقود!.
إن أكثر ما يثير قلق المهتمين بمؤشرات المدنية في عراق اليوم هو إبقاء عجلة الحياة الإجتماعية تدور الى الوراء، رغم الحراك الإجتماعي الجديد الذي بدأ فور سقوط الحكم الفاشي في العام 2003 ، وبدأ معه الصراع مجددا ومن صفر جديد بين قوتين غير متكافئتين، الأولى جمعت الورثة الجدد لذلك الطابور البدوي بما يملكون من وسائل فعالة، والثانية قوى تحررية خجولة تريد إيقاف هذا التراجع ونقل دوران العجلة الى الأمام، صراع قديم جديد في وقتٍ نحن أحوج ما نكون فيه الى تضييق الهوة المتسعة التي تفصلنا عن العالم المتحضر والمتطور والمتقدم.
ولابد أن نختتم هذا العرض التاريخي البسيط بما نجده ضروريا وملحا، بالقول إن على مثقفي ومتنوري عراق اليوم إدراك حجم مسؤوليتهم التاريخية، مثلما تحمّلها أقرانهم قبل عقود زمنية غير قليلة، لكي يصحّحوا من جديد مسار الذهن الجمعي الذي إستسلم على ما يبدو للمد الظلامي الذي وزع سحبه السوداء منذ ثمانينيات القرن الماضي على المجتمع بمجموعه - وليس على المرأة وحسب - مؤكدين أن المرأة كانت وستظل دائما الخاسر الأول كلما تقدم الظلاميون خطوة وتراجع المتنورون خطوات.
 ــــــــــــــــ
(1) كنتُ شاهدا شخصيا عندما فتحت أبواب قاعات ملعب الكرخ بالمنصور وأطلق سراح المئات من المعتقلات منه بعد هزيمة البعث وميلشياته (الحرس القومي) عصر يوم 19 تشرين ثان 1963.
(2) تم نشر تلك الوثائق في الصحف المحلية والعربية.
ــــــــــــــــ
  المصادر:
- البغداديون مجالسهم وأخبارهم، إبراهيم الدروبي
- حكايات سياسية، خيري العمري
- فتاة الشرق،  محمد جميل بيهم
- العراق السياسي، حنا بطاطو
- الرحلة الثامنة، جبرا إبراهيم جبرا.
farooqalbasha@yahoo.com
https://www.facebook.com/farooq.albasri
https://www.facebook.com/meyarialbasha?fref=ts